والمعنى: أي وهم يوم القيامة يتبرؤون منكم، ويقولون: ما كنتم إيانا تعبدون، بل كنتم تعبدون أهواءكم وشهواتكم وما زيَّنته لكم شياطينكم، ونحو الآية قوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) } .
ثم أكد صدق ما حكاه عنهم من أحوالهم بقوله: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} ؛ أي: لا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير أخبرك به، وهو الحق سبحانه فإنه الخبير بكنه الأمور دون سائر المخبرين، والمراد: تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم، ونفي ما يدّعون لهم من الإلهية.
والخلاصة: ولا يخبرك يا محمد عن أمر هذه الآلهة، وعن عبدتها يوم القيامة إلا ذو خبرة بأمرها وأمرهم، وهو الله الذي لا يخفى عليه شيء كان، أو سيكون في مستأنف الأزمان. وقال في"التجريد": يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون ذلك خطابًا للرسول لما أخبر بأن الخشب والحجر يوم القيامة ينطق ويكذّب عابده، وهو أمر لا يعلم بالعقل المجرد لولا إخبار الله عنه، قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} ؛ أي: يكفرون بهم يوم القيامة، وهذا القول مع كون المخبر عنه أمرًا عجيبًا هو كما قال؛ لأن المخبر عنه خبير.
والثاني: أن يكون خطابًا ليس مختصًا بأحد؛ أي: هذا الذي ذكر هو كما ذكر لا ينبئك أيها السامع كائنًا من كنت مثل خيبر.
قال الزروقي: الخبير: هو العلم بدقائق الأمور لا يتوصَّل إليها غيره إلا بالاختيار والاحتيال، وقال الغزالي: هو الذي لا يعزب عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرةً ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرها.