فالظاهر أنّ الكتبة يصعدون بصحيفة إلى حيث أمر الله أن توضع، أو يصعد هو؛ أي: الكلم الطيب بنفسه، فلا حاجة إلى هذه التأويلات، قال بعضهم: بعض الأعمال ينتهي إلى سدرة المنتهى، وبعضها يتعدّى إلى الجنة، وبعضها إلى العرش، وبعضها يتجاوز العرش إلى عالم المثال، وقد يتعدى من عالم المثال إلى اللوح، ثمّ إلى المقام القلمي، ثمّ إلى العماء، وذلك بحسب تفاوت مراتب العمّال في الصدق والإخلاص، وصحة التصوّر والشهود والعيان. انتهى. ولكن لا نقل في ذلك كله، وهو إلى الخرافات أقرب، والأسلم عدم تأويل الآية، كما أشرنا إليه آنفًا. {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} ؛ أي: يرفع الكلم الطيب ويحقّقه ويقوّيه، ولا ينال الدرجات العالية إلا به؛ إذ الكلم الطيب لا ينفع مع العصيان، فإنّ الأعمال كالمراقي له، وقول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر، وهذا المعنى هو الظاهر هنا كما في"الإرشاد"، وقال به الحسن وشهر بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وغيرهم، ومعناه، أنه لا يقبل الكلم إلا مع العمل الصالح، وقيل: إن فاعل {يَرْفَعُهُ} هو الكلم الطيب، ومفعوله: العمل الصالح، ويؤيده قراءة نصب العمل, ومعناه: أنّ العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان, وقيل: إن فاعل
{يَرْفَعُهُ} يعود إلى الله عز وجل.
والمعنى: إن الله يرفع العمل الصالح إليه ويقبله، كما سيأتي عن قتادة، وقال ابن عطية هذا أرجح الأقوال .. وقيل: العمل الصالح يرفع صاحبه ويشرفه، قاله ابن عباس، وقال قتادة: المعنى: إن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه؛ أي: يقبله، فيكون قوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ} على هذا مبتدأ خبره جملة {يَرْفَعُهُ} ، وكذا على قول من قال يرفع صاحبه.
وقال أبو حيان: ويجوز أن يكون العمل معطوفًا على الكلم الطيب؛ أي: يصعدان إلى الله، و {يَرْفَعُهُ} استئناف إخبار؛ أي: يرفعهما الله تعالى ويقبلهما، ووحّد الضمير لاشتراكهما في الصعود، والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة، فيكون لفظه مفردًا.