ولما بيّن ما يحصل العزة من عليّ الهمة بين ما يكسب المذلة ويوجب النقمة من رديء الهمة بقوله تعالى: {والذين يمكرون} أي: يعملون على وجه المكر أي: الستر ، المكرات: {السيئات} أي: مكرات قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث: حبسه وقتله وإجلاؤه كما قال تعالى {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} الآية (الأنفال: (، وقال الكلبي: معناه يعملون السيئات وقال مقاتل: يعني الشرك ، وقال مجاهد: هم أصحاب الرياء {لهم عذاب شديد} أي: لا توبة دونه بما يمكرون {ومَكْر أولئك} أي: البعداء من الفلاح {هو} أي: وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن الله ينفذه ويعلي أمره {يبور} أي: يفسد ولا ينفذ إذ الأمور مقدرة فلا تتغتير بسبب مكرهم كما دل عليه بقوله تعالى:
{والله خلقكم من تراب} أي: بتكوين أبيكم آدم منه فمزجه مزجاً لا يمكن لغيره تمييزه ، ثم أحاله عن ذلك الجوهر أصلاً ورأساً ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {ثم} أي: بعد ذلك في الزمان والرتبة خلقكم {من نطفة} أي: جعلها أصلاً ثانياً من ذلك الأصل الترابي أشد امتزاجاً منه {ثم} بعد أن أنهى التدبير زماناً ورتبة إلى النطفة التي لا مناسبة بينها وبين التراب دلالة على كمال القدرة والفعل بالاختيار {جعلكم أزواجاً} أي: بين ذكور وإناث دلالة هي أظهر مما قبلها على الاختيار ، وعن قتادة: زوج بعضكم بعضاً.
تنبيه: يصح أن يقال كما قال ابن عادل: خلقكم خطاب مع الناس وهم أولاد آدم عليه السلام وكلهم من تراب ومن نطفة ؛ لأن كلهم من نطفة ، والنطفة من غذاء ، والغذاء ينتهي بالآخرة إلى الماء والتراب فهم من تراب صار نطفة.