والذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذاك سوابقها ولواحقها وتعقيب الآيات بقوله سبحانه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 4 3] فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة وهو مخر الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطراداً أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفاً فقدم فيه {فِيهِ} إيذاناً بأنه ليس المقصود بالذات ذلك ، وكأن الاهتمام بما هن اقتضى أن يقال في تلك الآية {وَلِتَبْتَغُواْ} بالواو ، ومخالفة ما هنا لذلك اقتضت ترك الواو في قوله سبحانه: {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي من فضل الله تعالى بالنقلة فيها وهو سبحانه وإن لم يجر له ذكر في الآية فقد جرى له تأعلى ذكر فيما قبلها ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه عز شأنه.
واللام متعلقة بمواخر ، وجوز تعلقها بمحذوف دل عليه الأفعال المذكرة كسخر البحرين وهيأهما أو فعل ذلك {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تعرفون حقوقه تعالى فتقومون بطاعته عز وجل وتوحيده سبحانه.
ولعل للتعليل على ما عليه جمع من الأجلة وقد قدمنا ذلك ، وقال كثير: هي للترجي ولما كان محالاً عليه تعالى كان المراد اقتضاء ما ذكر من النعم للشكر حتى كأن كل أحد يترجاه من المنعم عليه بها فهو تمثيل يؤل إلى أمره تأعلى بالشكر للمخاطبين.
{يُولِجُ الليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى الليل}