وبعد أنْ تضع المرأةُ حملها تتحول إلى مرضعة وحاضنة فيُجري لها الخالق سبحانه رِزْق ولدها لترضعه دون أنْ يأخذ من رزقها شيئاً، لأن إمداد الله لها مستمر، والشيء ينقص إنْ أُخذ منه دون إمداد. ثم يقول سبحانه {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} فاطر 11 يُعمّر يعني يمد الله في عمره، وعندنا في اللغة أفعال ملازمة للبناء للمجهول، فمثلاً نقول زُكم فلان لأنه لم يجلب لنفسه الزكام، كذلك نقول فلا عُمِّر. هو لم يُعمِّر نفسه، إنما عمَّره الله، لذلك جاء بصيغة اسم المفعول مُعَمَّر، والمُعمَّر يعني طويل العمر. وهذا من المواضع التي وقف عندها المستشرقون معترضين كالعادة، بسبب جهلهم باللغة العربية وأساليبها، قالوا كيف يُعمَّر بالفعل، فيعيش مائة سنة مثلاً ثم ينقص من عمره؟ نقول هم معذورون لأنهم لا يعلمون أن في اللغة ضميراً ومرجعاً للضمير. فتقول مثلاً قابلتُ فلاناً فأكرمتُه، فالهاء في أكرمته تعود على فلان هذا، وتقول تصدقتُ بدرهم ونصفه. فهل يعني هذا أنك تصدقتَ بدرهم، ثم أعدته ثانية ونصَّفته؟ لا إنما المعنى تصدقت بدرهم ونصف درهم مثله، فمرة يعود الضمير على ذات واحدة، ومرة يعود على واحد من مثله، كما في تصدقت بدرهم ونصفه. والإنسان له ذات وله صفات، ذاته هي قوام تكوينه، وصفاته ما يطرأ على الذات من أوصاف، فكَوْنه معمَّراً يعني بلغ سناً كبيرة، وكما يعود الضمير على مثل الأول أو على بعض مثله، كذلك يعود على بعض ذاته، فالمعمَّر ذاتٌ ثبت لها التعمير، فعلامَ يعود الضمير في {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} فاطر 11 صحيح حينما يصل إلى مائة سنة لا نستطيع أنْ نُميته في سِنِّ العشرين مثلاً. إذن أعد الضمير على الذات دون الصفة، وما يُعمَّر من مُعمَّر، ولا ينقص من ذاته، فالذات لم يثبت لها التعمير إلا بإذن الله، فيصير المعنى مثل تصدَّقْتُ بدرهم ونصفه. والحق سبحانه حدَّثنا عن التعمير عندما تكلم عن اليهود
{وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى}
البقرة 111. وقالوا
{وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}
البقرة 80. فردَّ الله عليهم إنْ كنتم ضمنتم الجنة، وأنه لا يأخذها منكم أحد، فتمنَّوْا الموت الذي يوصلكم إليها