ومن هنا حسن الاستعاذة من رب الفلق في هذا الموضع، ولهذا استعاذ من شر الغاسق الذي هو الظلمة ومحل الشرور والظلام، بعد الاستعاذة برب الفلق الذي هو الصبح والنور، الذي يطرد جيش الظلام، وعسكر المفسدين في
الأرض بالليل من جن أو إنس أو حيوان.
فيأوي كل خبيث، وكل مفسد، وكل لص، وكل قاطع طريق، إلى سرب أو كِنٍّ أو غار، وتأوي الهوام إلى جحورها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها.
فأمر الله عزَّ وجلَّ عباده أن يستعيذوا برب النور والصبح الذي يقهر الظلمة ويزيلها، ويكشف ويقهر عسكرها وجيشها الظالم.
والكفر والشرك كله ظلمة، ومآله إلى الظلمات، ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة.
والإيمان كله نور، ومآله إلى نور، ومستقره في القلوب المستنيرة، والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة وهم الملائكة.
والله عزَّ وجلَّ بعث رسله ليخرج عباده من الظلمات إلى النور كما قال سبحانه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) } [البقرة: 257] .
واللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب منه، وإذا أنار الله قلب العبد بالإيمان، وأوقد سراج المعرفة في قلبه، فلا يمكن أن يقرب منه الشيطان: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) } [النحل: 98 - 100] . انتهى انتهى {موسوعة فقه القلوب، للشيخ/ محمد بن إبراهيم التويجري} ...