ومن تلاعب الشيطان باليهود ما كان منهم في شأن زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام حتى قتلوهما، ثم سلط الله عليهم من يعاقبهم.
ومن مكر الشيطان وكيده وتلاعبه باليهود ما كان منهم في شأن المسيح (، ورميه وأمه بالعظائم، وهم يعلمون أنه رسول الله، فكفروا به بغياً وعناداً، وراموا قتله وصلبه، فصانه الله تعالى من ذلك، ورفعه إليه، وطهره منهم، فأوقعوا القتل والصلب على شبهه، وهم يظنون أنه هو.
فبئس القوم الذين يقتلون أنبياء الله، ويفتخرون بقتل رسله: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) } [النساء: 157، 158] .
ولم يزل أمر اليهود بعد تكذيبهم بالمسيح وكفرهم به في سفال ونقص وذلة، إلى أن قطعهم الله في الأرض أمماً، ومزقهم كل ممزق، وسلبهم عزهم وملكهم، فلم يقم لهم مُلك بعد ذلك، إلى أن بعث الله تعالى محمداً - صلى الله عليه وسلم - فكفروا به وكذبوه وحاربوه وقاتلوه.
فأتم الله عليهم غضبه، ودمرهم غاية التدمير، وألزمهم ذلاً وصغاراً لا يُرفع عنهم إلى أن ينزل أخوه المسيح بن مريم من السماء فيستأصل شأفتهم، ويطهر الأرض منهم، ومن عباد الصليب: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) } ... [البقرة: 90] .
فالغضب الأول من الله بسبب كفرهم بالمسيح (، والغضب الثاني بسبب كفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
ومن تلاعب الشيطان بهم أنهم يزعمون أن الأحبار والرهبان إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالاً، وإذا حرموه صار حراماً، وإن كان نص التوراة بخلافه.