إن طبيعة الضلال برؤية العمل حسناً وهو سوء، وطبيعة الهدى بالحذر والمحاسبة والتقوى، وما دام الأمر كذلك فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فالهدى والضلال ليس من أمر البشر، إنما هو من أمر الله وحده، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وهو مقلب القلوب والأبصار، يعلم من يستحق الكرامة فيكرمه، ومن يستحق الإهانة فيذله: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) } [فاطر: 8] .
وهذه حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا في دعوتهم، وأدركوا قيمتها وجمالها وما فيها من خير .. ورأوا الناس في الوقت ذاته يصدون عنها ويعرضون .. ولا يرون ما فيها من الخير والجمال .. ولا يستمتعون بما فيها من الحق والكمال والآداب.
وما أجمل أن يدرك الدعاة هذه الحقيقة التي واسى الله بها رسوله، فيبلغوا دعوتهم باذلين فيها أقصى جهدهم، ثم لا يَأْسَوا ولا يحزنوا بعد ذلك على من لم يقدِّر الله له الصلاح والفلاح.
إن الله عليم بما يصنعون، يقسم لهم الهدى أو الضلال وفق علمه، والله يعلم هذه الحقيقة قبل أن تكون منهم، ولكنه لا يحاسبهم على ما يكون منهم إلا بعد أن يكون: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) } [فصلت: 46] .
والشيطان لا يبذل جهده لمن باع نفسه للمعصية، وانطلق يخالف كل ما أمر الله به، ويتمرغ في الكفر والظلم والمحرمات.
فالنفس الأمارة بالسوء ليست محتاجة إلى إغواء؛ لأنها تأمر صاحبها بالسوء: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) } [يوسف: 53] .
ولذلك فإن إبليس لا يذهب إلى الحانات، وأماكن اللهو والفجور، ومستنقعات الزنا والرذيلة والفساد.
فهذه الأماكن كل من يذهب إليها ذاهب إلى معصية، وليس في حاجة إلى إغواء؛ لأنه قد اختار هذا الطريق العفن.