ويُرَدُّ عليه بقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآيةِ، فليس المراد ألا يأخذها إلا من اجتمعت فيه هذه الأوصاف، بلْ كلُّ نوع من هذه المذكورات له فيها حظِ؛ وكذلك قال مالكِ فيمن أوصى بثلث ماله للعلماء والفقراء والمجاهدينِ والصلحاء، أَنه لا يُقْصَرُ على من جمع هذه الأوصاف، بل للعالم حظ منها وإن كان غنياً غير مجاهد، وكذلك الفقير وإن لم يكن عالماً ولا مجاهداً، وكذلك المجاهد
وإن لم يكن عالماً ولا فقيراً. لا يقال: لَمَّا رَتَّبَ عليه الأجرَ الأخصَّ وهو العظيمُ وَجَبَ قصْرُهُ على الأخصِّ وهو مَنْ جمع الأوصافَ كلَّها؛ لأن فضل اللَّه تعالى واسع.
وقال في ذكر مريم بنت عمران (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين) فأدخلَها في وصف الذكور، ولم يقل"وكانت من القانتات"، وذلك تشريف لها وتعظيم. وهنا لم يكْتَفِ بوصف الذكور عن وصف الإناث، مع أن الجمع يتناولهن على جهة التغليب.
فإن قلت: قد قال المفسرون: سبب نزولها أَن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن له:"قد ذكر اللَّه تعالى في كتابه الرجال ولم يذكر النساء"؛ فنزلت الآية.
قلت: التصريح بذكرهن أَدْخَلُ في مقام التَّطْمِين لنفوسهن.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً} :
قيل: كيف تتقرر المغفرةُ لهن مع قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) ؟ وهذه الأوصاف كلُّها محصِّلةٌ للثواب المذْهِب للذنوب، فلم يبْقَ ما يُغفر.
وأُجيبَ بأنها سبب في المغفرة وتنكيرُها للتعظيم، كقوله تعالى (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) .
36 - {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} :
قيل: هو خبرٌ في معنى النهي، وليس بنفي ولا بخبر حقيقةً؛ لأن زينبَ لما خطبها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لزيد، امتنعت هي وأخوها عبد اللَّه، فنزلت الآية فأذعنت وامتثلت أمره.
وكذلك أم كلثوم بنت عقبة لما وهبت نفسها للنبي وقَبِلَهَا، وزوجها
لزيد كرهت ذلك هي وأخوها؛ فالمخالفة منهم قد وقعت، فيلزم عليه إما الخلفُ في الخبر أو كونُ المخالِفِ له غير مومن، فتعَيَّن كونُه نهياً، كذا قال ابن عرفة.