وأخَّر الصيام لأنه أمرٌ عَدَمي راجعٌ لترْك الأكل والشرب والاستمتاع، وجميعُ ما قبلَه أمرٌ وُجُودي، والوجودُ أشرف من العدم. فقَدَّم الصومَ على حفظ الفروج؛ لأن الصومَ تركٌ غيرُ دائم في زمانٍ ما وهو النهار فقط، وحفظُ الفروج تركٌ دائم في كل الأزمان، فالصومُ أقرب إلى الوجود، وحفظُ الفروج أبْعدُ منه. وأخَّرَهَا عن المتصدقين لأن الصدقات مَظِنَّةُ الغنى، ومنْ حصَل له الغنى فهو متمكن من شهوتَيْ بطنِه وفرجه، فأفادَ أنهم مع ذلك يتركون شهوةَ بطونهم بالصوم، وشهوةَ فروجهم بحفظها عن المحارم، فجاء هذا شبه الاحتراس والتكميل.
وأخَّرَ الذاكرين اللَّه كثيرا، إشارةً إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -:"من كان آخر قوله لا إله إلا اللَّه دخل الجنة"؛ أو لأنه كالعلّة الغائِيّةِ التي قال الحكماء فيها:"أولُ الفكرة آخرُ العمل"، فأفاد أن فعلَهم ذلك كلَّه إنما كان لذكرِهم اللَّه تعالى واستحضارِهم مقامَ الهيبة والإجلال.
المقترح في"الأسرار العقلية":"لا ثواب في الذكر العَرِيِّ عن النية، وهو كصوت ما لا يعقل".
قلت: ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إنما الأعمال بالنيات".
والذكر في الآية يحتملُ الذكرَ اللساني والذكر القلبي أو هما معاً.
ونذكر بحث الشيخ بن عبد السلام مع الشريف التلمساني.
الزمخشري:"إن قلت: أي فرقٍ بين عطف الإناث على الذكور وعطفِ الزوجين على الزوجين؟"، يريد: أي فرق بين عطف مجموعِ كلِّ صنفٍ من هذه المزدوجات من إناث وذكور على مجموعِ الصنفِ الآخر وبين عطف إناثِ كلِّ صنف على ذَكَرِه؟.
فأجاب:"لأن عطف الإناث على الذكور عطف ذَوَاتٍ، وعطف المجموع"
على المجموع عطف صفات". قال:"معناه أن الجامعين لهذه الطاعات أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً". انتهى."