وجاء وقت الجزاء لينال إبراهيم - عليه السلام - من ربه جزاء صبره على الابتلاء ، وثباته على الإيمان ، ألم يقُلْ لجبريل لما جاءه يعرض عليه المساعدة وهو في طريقه إلى النار: يا إبراهيم ، ألك حاجة؟ فيقول إبراهيم: أما إليك فلا . لذلك يجازيه ربه ، ويخرق له النواميس ، ويواليه بالنعم والآلاء ، حتى مدحه سبحانه بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ ...} [النحل: 120] .
وكان عليه السلام رجلاً خاملاً في القوم ، بدليل قولهم عنه لما حَطّم أصنامهم: {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60] فهو غير مشهور بينهم ، مُهْمَل الذكر ، لا يعرفه أحد ، فلما والى الله والاه قال: لأجعلنك خليل الله وشيخ المرسلين ولأُجرينَّ ذِكْرك ، بعد أنْ كنت مغموراً على كل لسان ، وها نحن نذكره عليه السلام في التشهد في كل صلاة .
واقرأ قول إبراهيم في دعائه لربه ؛ ليؤكد هذا المعنى: {واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين} [الشعراء: 84] وكأنه يقول: يا رب إن قومي يستقلونني ، فاجعل لي ذِكْراً عندك .
ومعلوم أن للتناسل والتكاثر نواميسَ ، فلما أنْ أنجبت السيدة هاجر إسماعيل - عليه السلام - غضبت الحرة سارة: كيف تنجب هاجر وهي الأَمَة وتتميز عليها ، لكن كيف السبيل إلى الإنجاب وسِنُّها تسعون سنة ، وسِنّ إبراهيم حينئذٍ مائة؟
قانون الطبيعة ونواميس الخَلْق تقول لا إنجاب في هذه السن ، لكن سأخرق لك القانون ، وأجعلك تُنجب هبة من عندي {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ...} [العنكبوت: 27] ثم {وَيَعْقُوبَ ...} [العنكبوت: 27] .
وفي آية أخرى قال: {وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ...} [الأنبياء: 72] .