ولوط لا يصدق بإبراهيم ، إلا إذا كان مؤمناً بإله أرسله ، فكأنه آمن بالله ثم صدَّقه فيما جاء به وقصة لوط عليه السلام لها موضع آخر فُصِّلَت فيه ، إنما جاء ذكره هنا ؛ لأنه حصيلة الصفقة الجدلية والجهادية بين إبراهيم وقومه ، فبعد أنْ دعاهم إلى الله ما آمن له إلا لوط ابن أخيه .
وأذكر أن الشيخ موسى - رحمه الله عليه - وكان يُدرس لنا التفسير ، وجاءت قصة لوط عليه السلام فقلت له: لماذا ننسب رذيلة قوم لوط إليه فنقول: لوطي . وما جاء لوط إلا ليحارب هذه الرذيلة ويقضي عليها؟
فقال الشيخ: فماذا نقول عنها إذن؟ قلت: إن اللغة العربية واسعة الاشتقاق ، فمثلاً عند النسب إلى عبد الأشهل قالوا: أشهلي ، ولعبد العزيز قالوا: عبدزي ، ولبختنصر قالوا: بختي ، والآن نقول في النسب إلى دار العلوم دَرْعمي ... إلخ فلماذا لا نتبع هذه الطريقة؟ فنأخذ القاف المفتوحة ، والواو الساكنة من قوم ، ونأخذ الطاء من لوط ، ثم ياء النسب فنقول (قوْطي) ونُجنِّب نبي الله لوطاً عليه السلام أن ننسب إليه ما لا يليق أن يُنسب إليه .
وقد حضرت احتفالاً لتكريم طه حسين ، فكان مما قلته في تكريمه: (لك في العلم مبدأ طَحَسْني) ؛ لأنه كثيراً ما نجد بين العلماء اسم طه ، واسم حسين .
إذن: فقوله تعالى {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ...} [العنكبوت: 26] جاءت جملة اعتراضية في قصة إبراهيم عليه السلام ؛ لأنه المحصلة النهائية لدعوة إبراهيم في قومه ؛ لذلك يعود السياق مرة أخرى إلى إبراهيم {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي ...} [العنكبوت: 26] أي: منصرف عن هذا المكان ؛ لأنه غير صالح لاستتباب الدعوة .
ومادة هجر وما يُشتق منها تدلُّ على ترْك شيء إلى شيء آخر ، لكن هَجَرَ تعني أن سبب الهَجْر منك وبرغبتك ، إنما هاجر فيها مفاعلة مثل شارك وقاتل ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة ، إنما هاجر منها إلى المدينة .