لذلك يخاطبهم بقوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} [الصافات: 25] أين الفتوات الأقوياء ينصرونكم؟
فنفى عنهم الولي ، ونفى عنهم النصير ؛ لأن هناك فَرْقاً بينهما: الوليّ هو الذي يقرب منك بمودة وحُبٍّ ، وهذا يستطيع أنْ ينصرك لكن بالحُسْنى وبالسياسة ، ويشفع لك إن احتجتَ إلى شفاعته ، أمّا النصير فهو الذي ينصرك بالقوة و (الفتونة) .
وهكذا نفى عنهم القدرة على الإعجاز ، ونفى عنهم الولي والنصير ، لكن ذكر {مِّن دُونِ الله ...} [العنكبوت: 22] يعني: من الممكن أن يكون لهم وليٌّ ونصير من الله تعالى ، فإنْ أرادوا الولي الحق والنصير الحق فليؤمنوا بي ، فأنا وليُّهم وأنا نصيرهم .
وكأنه سبحانه يقول لهم: إنْ تُبْتم ورجعتم عما كنتم فيه من الكفر واعتذرتم عما كان منكم ، فأنا وليُّكم وأنا نصيركم .
وفي موضع آخر قال: {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] ولم يقل من دون الله ؛ لأن الموقف في الآخرة ، والآخرة لا توبةَ فيها ولا اعتذار ولا رجوع ، فقوله {مِّن دُونِ الله ...} [العنكبوت: 22] لا تكون إلا في الدنيا .
ثم يقول الحق سبحانه: {والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ ...} .
فإنْ أصرَّ الكافر على كُفْره وعبادته للأصنام التي لا تنفع ولا تضر ، ولم تُجْدِ معه موعظة ولا تذكير فلا ملجأ له ولا منفذ له إلى رحمة الله ؛ لأنه عبد أولياء لا ينفعونه بشيء وكفر بي ، فليس له مَنْ يحميه مني ، ولا مَنْ ينصره من الأصنام التي عبدها ، فليس له إلا اليأس .
واليأس: قَطْع الرجاء من الأمر ، وقد قطع رجاء الكافرين ؛ لأنهم عبدوا ما لا ينفع ولا يضر ، وكفروا بمَنْ بيده النفع ، وبيده الضُّر .