فالمعنى: أيكذبون ولم يَرَوْا ما حدث للأمم المكذِّبة من قبل؟ أيكذبون ولم يَروْا آيات الله ، وقدرته شائعة في الوجود كله؟ لقد كان عليهم أن ينظروا نظرة اعتبار ليعلموا مَنْ خلق هذا الخَلْق ، وإنك لو سألتهم: مَنْ خلق هذا الكون لا يجدون جواباً ، ولا يملكون إلا أنْ يقولوا: الله ، كما حكى القرآن: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ...} [لقمان: 25] .
لكن ، كيف يُقِرُّون بهذه الحقيقة ويعترفون بها ، مع أنهم كافرون بالله؟ قالوا: لأنها مسألة أظهر مَن أنْ ينكرها منكر ، فكل صاحب صنعة مهما كانت ضئيلة يفخر بها وينسبها إلى نفسه ، بل وينسب إلى نفسه ما لم يصنع ، فما بالك بكَوْنِ أُعِدَّ بهذه الدقة وبهذه العظمة ، ولم يدعه أحد لنفسه؟ والدعْوى تثبت لصاحبها ما لم يَقُمْ لها معارض .
لذلك قلنا: إن الحق سبحانه قبل أن يقول لا إله إلا أنا ، وقبل أن يطلبها منا شهد بها لنفسه تعالى: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ...} [آل عمران: 18] ؛ لأن هذه الشهادة هي التي ستجعله يقول للشيء: كُنْ فيكون ، ولو لم يكُنْ يؤمن بأنه إله ما قالها .
والحق سبحانه يقول: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ...} [العنكبوت: 19] كيف ونحن لم نَر الإعادة ، فضلاً عن رؤيتنا للبدء؟
قالوا: نرى البدء والإعادة في مظاهر الوجود من حولنا ، فنراها في الزرع مثلاً ، وكيف أن الله تعالى يُحيي الأرض بالنبات ، ثم يأتي وقت الحصاد فيحصد ويتناثر منه الحَبّ أو البذور التي تعيد الدورة من جديد .
والوردة تجد فيها رطوبة ونضارة وألواناً بديعة ورائحة زكية ، فإذا قُطِفَتْ تبخَّر منها الماء ، فجفَّتْ وتفتتت ، وذهبت رائحتها في الجو ، ثم تخلفها وردة أخرى جديدة ، وهكذا .