وقد جاء ما يدل على أن إدريس عليه السَّلام أرسل أيضًا، وهو متقدم على نوح عليه السلام، فروى الدِّينوري في"المجالسة"عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح عليهما السَّلام، بعثه الله عز وجل إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاؤوا، فأبوا، فأهلكهم الله تعالى. وقد أخرجه ابن أبي حاتم.
وأخرج عن السدي أنه قال: كان إدريس عليه السلام أول نبي بعثه الله في الأرض.
وهذان الأثران إن صحَّا فحكمهما حكم الحديث المرفوع؛ فإن مثل ذلك لا يقال رأياً، فهو دليل كاف في إثبات رسالة إدريس، فأما نبوته فإنها ثابتة بالقرآن العظيم.
وإنما اقتصر في شريعة إدريس عليه السَّلام على شهادة التوحيد؛ لأنها تَنهى مَنْ صدَّق بها عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [سورة العنكبوت: 45] ؛ أي: أبلغ في النهي عن ذلك.
وأيضًا فإن تقليل الشرائع - وإن كان من باب التيسير والتسهيل -
فليس فيه كبير تكريم، وإلا لم يحرم على النبي - صلى الله عليه وسلم - أشياء لم تحرم على أمته، بل في تقليل الشرائع زيادة في نكال من عصى ولم يمتثل، وخصوصاً إذا اعتبر حاله مع حال من ابتلي بالشرائع الكبيرة فامتثل وأطاع.
وقريب من قصة إدريس في تقليل الشريعة ما رواه الدينوري عن عبد الله بن عائذ رحمه الله تعالى أن نبياً من الأنبياء عليهم السلام بعث إلى قوم فقال لهم: قوموا من الشمس إلى الظل يغفرْ لكم، فأبوا.
ثم إني تذكرت ما يدل على أن الناس في زمان إدريس عليه السلام كانوا مكلفين بتحريم القتل، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من الفساد، وهو قصة هاروت وماروت، وقد تقدمت قصتهما في التشبه بالملائكة عليهم السلام.