وقريب من هذا تسمية القرآن الكريم المساجد بيوتاً في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ - رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلواةِ وَإِيتَاءِ ... الزَّكَواةِ} .فعندما سماها بيوتا أراد الوظيفة الفكرية والتطبيقية للمساجد لا العبادة حسب، ومن ثمة تكون لفظة (بيوت) موحية ـ بسبب من العدول إليها ـ بالتآلف، والنشاط الفكري، والمدارسة والتمثل الروحي للممارسة العبادية، أية ممارسة؟ فاكسب المساجد باستعمال البيوت ملامح عامة، فجعلها فضاء نفسيا فسيحا تتوافر فيه فرص التمثل والتأمل والاتعاظ.
(مَقام)
المقام بالفتح موضع القيام، وهو من قام يقوم.
واستعمله القرآن الكريم في سياق الدنيا وفي سياق الآخرة، فكان استعماله يدور بين المكان الخاص والمكان العام. وجاء مكانا للأحياء (6 مرات) كان خاصا (4 مرات) ، منها قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} . فقد سماه مقاما للإحاطة بالدلالة على التكريم والبركة والأمن، وفيض من الإشعاع العقيدي، ومصدر الهام ودرس في الحياة وطاعة الله تعالى.
ومنه قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ} . يحيط قوله (مقامي) بالدلالة على محدودية المكان ومكثه فيهم. هذا من جهة دلالته المادية، أما من جهة العرفان فيؤشر الطهارة والتأثير الفكري، وطاقة كبرى في نفوس من آمنوا بدعوته.
(الثَّواء)