وليس معنى ذلك أن أمه أتتْ به من الحرام والعياذ بالله ؛ لأن الله تعالى ما كان ليُدلِّس على نبي من أنبيائه ، إنما هي كانت من الخائنين ، وخيانتها أنها كانت تفشي أسراره لخصومه ، وتخبرهم خبره ؛ لذلك يقول تعالى عنها في سورة التحريم: {ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أمرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ ...} [التحريم: 10] .
ويُبيِّن الحق سبحانه العلة في قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ...} [هود: 46] بقوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ...} [هود: 46] حتى لا تذهب بنا الظنون في زوجة نبي الله ، فالعلة أنه عمل غير صالح ، وبنوة الأنبياء بُنوَّة عمل ، لا بُنوَّة نَسَب .
ثم يقول الحق سبحانه: {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة ... .} .
أي: فأنجينا نوحاً عليه السلام {وأَصْحَابَ السفينة ...} [العنكبوت: 15] هم الذين يركبون معه فيها ، فهم أصحابها ، وقد صُنعت من أجلهم ، لم يصنعها نوح لذاته ، إنما صنعها لقومه الذين تعجَّبوا من صناعته لها وسَخروا منه واستهزأوا به ، فهم أصحابها في الحقيقة ، مَنْ آمن منهم ركب فيها ، ومَنْ كفر أبى وأعرض ، فكانت نهايته الغرق .
ونفهم من هذه القضية أن الحق سبحانه حينما يطلب من المؤمن شيئاً يعطيه لمَنْ لا يجد ذلك الشيء ، سواء كان عِلْماً أو مالاً أو قدرة . . إلخ افهم أنها حق له ، وليستْ تفضلاً عليه ، فلما صنع نوح السفينة جعلها الله من حق القوم فقال {وأَصْحَابَ السفينة ...} [العنكبوت: 15] فهي حقٌّ لهم ، فليس المراد منها أن يصنعها مثلاً ، ويُؤجرها لهم ، لا بل هو يصنعها من أجلهم .