والمأخوذ هنا هم المكذِّبون لنوح - عليه السلام - الذين ظلموا أنفسهم لما كذَّبوا رسولهم ، ولم يستمعوا للهدى ، ثم يُنجِّي الله نوحاً - عليه السلام - بالسفينة التي قال الله عنها في سورة هود: {وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا ...} [هود: 41] .
وقد أمره الله بصناعة السفينة: {واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [هود: 37] فكان نوح - عليه السلام - على علم بعاقبة المكذِّبين الظالمين من قومه ، واحتفظ بها في نفسه ، وهو يصنع السفينة كما أمره ربه .
لكن ، أكانت السفينة شيئاً معروفاً لهؤلاء القوم ، ولها مثال سابق لديهم؟ لا ، لم يكونوا يعرفون السفن ، بدليل أنهم تعجَّبوا من فعْل نوح ، وسخروا منه وهو يصنعها {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ ...} [هود: 38] فكان يردُّ عليهم في نفسه: {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38] فهو يعلم عاقبتهم وما يُبيِّته الله لهم .
والحق سبحانه يعطينا هذه اللقطة من قصة نوح - عليه السلام - لكي نجول في كل اللقطات ، ونستحضر مواطن العبرة فيها ، وفي قصة نوح مسائل كثيرة نستفيدها ، فقد كان القوم يعبدون الأصنام: وداً ، وسواعاً ، ويغوث ، ويعوق ، ونسراً ، ومنها نعلم أن ودادة الأنبياء ودادة قيم ومنهج ، وودادة أعمال واقتداء ، وأن أنسابهم أنساب تقوى وورع .
فنبوّة نوح لم تمنع ولده الضالّ من الغرق ، حتى بعد أنْ دعا الله: {رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق ...} [هود: 45] فيعطيه الله الحكم في هذه المسألة ، ويُصحِّح له: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ...} [هود: 46] .