ومعلوم أن التوقيتات عندنا توقيتات هلالية بالشهر العربي ؛ لأن الشمس لا يُعرف من حركتها إلا اليوم ، إنما لا نعرف منها الشهر ، الشهر نعرفه بحركة القمر حين يُولَد الهلال ، وبالشهر نحسب السنة التي هي أثنا عشر شهراً قمرياً وتزيد أحد عشر يوماً في السنة الشمسية .
وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يُعْلمنا أن السنة هي العام ، لا فَرْق بينهما ، ولا داعي للجاج في هذه المسألة .
ثم يذكر سبحانه نهاية هؤلاء القوم الذين كذّبوا: {فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14] فالعلة في أخذهم ، لا لأنهم أعداء ، بل لأنهم ظالمون لأنفسهم بالكفر ، وهكذا تنتهي القصة أو اللقطة في آية واحدة الغرض منها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ، إنْ أبطأ نَصْره على الكفار .
وكلمة {فَأَخَذَهُمُ ...} [العنكبوت: 14] الأخْذ فيه دليل على الشدة وقوة التناول ، لكن بعنف أو بغير عنف؟ إنْ كان الأخذ لخصْم فهو أخْذ بعنف وشدة ، وإنْ كان لغير خَصْم كان بلطف .
والطوفان: أن يزيد الماء عن الحاجة الرتيبة للناس ، فبعد أنْ كان وسيلة حياة ، ومنه كل شيء حتى يصبح وسيلة موت وهلاك ، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أنْ يلفت أنظارنا إلى المتقابلات في الخَلْق حتى لا نظنَّ أن الخَلْق يسير برتابة .
فسيدنا موسى - عليه السلام - ضرب البحر بالعصا ، فتجمَّد فيه الماء حتى صار كالجبل ، وضرب بها الحجر فانبجس منه الماء .
إنها طلاقة القدرة التي لا تعتمد على الأسباب ، فالمسبِّب هو الله سبحانه يفعل ما يشاء ، فليست الأشياء بأسبابها ، إنما بمراد المسبِّب فيها ؛ لذلك يقول أحمد شوقي في قصيدة النيل:
مِنْ أيِّ عَهْدٍ في القُرَى تتدفقُ ... وبأيِّ كفٍّ فِي المدائن تُغْدِقُ
ومِنَ السماءِ نزلْتَ أم على ... الجِنَان جداولاً تترقرقُ
إلى أنْ يقول:
الماء تَسْكُبه فَيْصبح عَسْجَداً ... والأرضُ تُغرِقُها فيحيَا المغْرَقُ