(فلا يقفنّ أحد في وسط الطريق، وقد أمضى في الجهاد شوطا يطلب من الله ثمن جهاده ويمنّ عليه وعلى دعوته، ويستبطئ المكافأة على ما ناله فإن الله لا يناله من جهاده شيء. وليس في حاجة إلى جهد بشر: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده، وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثوابه) .
كلمة في السياق: [حول صلة مقدمة السورة بالمجموعة الأولى من المقطع الأول]
(دلتنا المقدمة على أن الإيمان يرافقه امتحان. وأن علامة الصدق في الإيمان النجاح في الامتحان. ودلنا قوله تعالى في المجموعة مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ على أن هدف المؤمن هو ثواب الله في اليوم الآخر، فمن كان له هدف في الإيمان غير ذاك فإنه ليس من أهل حقيقة الإيمان، كما دلت آية وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ
لِنَفْسِهِ على أنّ الإيمان لا بدّ أن يرافقه جهاد، وأن مصلحة الجهاد لا تعود إلا على صاحبها. أما الله عزّ وجل فغني عن العالمين. وبهذا قررت السورة أن الإيمان يلازمه الصبر على الامتحان، ويلازمه رجاء الله واليوم الآخر، ويلازمه الجهاد.
فمن فاته الصبر، أو رجاء الله واليوم الآخر، أو الجهاد بمعناه الواسع العريض، فإنه ليس من أهل الصدق في الإيمان. وبعد إذ تقرر هذا كله، أعلمنا الله ما أعده لمن اجتمع له الإيمان والعمل الصالح. وصلة هذه المعاني بمقدمة سورة البقرة واضحة، وخاصة بقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فعلامة الصدق بالإيمان بالغيب النجاح في الامتحان، وأن لا يريد الإنسان بعمله إلا وجه الله، وأن يجاهد نفسه وشيطانه وأعداء الله عزّ وجل، فالإيمان بالغيب لا بد أن يأخذ مداه العملي في مثل هذا، ثم الإيمان بالغيب لا بد أن يرافقه عمل صالح فذلك علامة على استقراره في القلب، وبتقرير ما أعد الله لمن آمن وعمل صالحا، جاء أوان أن يعرض الله عزّ وجل علينا أمره في شأن الوالدين، فمن أعظم
أبواب الامتحان الوالدان، ومن أعظم الأعمال الصالحة برهما.