قالوا: وصَّى بالحسن ذاته في الآية التي تذكر اللدد الإيماني ، حيث قال: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ ...} [العنكبوت: 8] والكفر يستوجب العداوة والقطيعة ، ويدعو إلى الخصومة ، فأكَّد على ضرورة تقديم الحسن إليهما ؛ لا مجرد الإحسان ؛ لأن الأمر يحتاج إلى قوة تكليف .
أما حين لا يكون منهما كفر ، فيكفي في برِّهما الإحسان إليهما ؛ لذلك يقول سبحانه: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً ...} [لقمان: 15] .
والحق سبحانه حين يُوصي بالوالدين ، وهما السبب المباشر في الوجود إنما ليجعلهما وسيلة إيضاح لأصل الوجود ، فكما أوصاك بسبب وجودك المباشر وهما الوالدان ، فكذلك ومن باب أَوْلى يوصيك بمَنْ وهب لك أصل هذا الوجود .
فكأن الحق سبحانه يُؤنِس عباده بهذه الوصية ، ويلفت أنظارهم إلى ما يجب عليهم نحو واهب الوجود الأصلي وما يستحقه من العبادة ومن الطاعة ؛ لأنه سبحانه الخالق الحقيقي ، أما الوالدان فهما وجود سببي .
هذا إيناس بالإيمان ، بيَّنه تعالى في قوله: {واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً ...} [النساء: 36] لأنهما سبب الوجود الجزئي ، والله تعالى سبب الوجود الكلي .
وهذا أيضاً من المواضع التي وقف عندها المستشرقون ، يبغُونَ فيها مَطْعناً ، ويظنون بها تعارضاً بين آيات القرآن في قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً ...} [لقمان: 15] وفي موضع آخر: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ ...} [المجادلة: 22] .