فأخذاه وشداه وثاقاً وذهبا به إلى أمه فقالت له: لا تزال بعذاب حتى ترجع عن دين محمد وأوثقته عندها ، فقيل: إن هذه الآية نزلت في شأنهما.
والمقصود من الآية هو قوله {وإن جاهداك لتشرك بي} إلى آخره ، وإنما افتتحت بـ {وصينا الإنسان بوالديه حسناً} لأنه كالمقدمة للمقصود ليعلم أن الوصاية بالإحسان إلى الوالدين لا تقتضي طاعتهما في السوء ونحوه لقول النبي صلى الله عليه وسلم"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"ولقصد تقرير حكم الإحسان للوالدين في كل حال إلا في حال الإشراك حتى لا يلتبس على المسلمين وجه الجمع بين الأمر بالإحسان للوالدين وبين الأمر بعصيانهما إذا أمرا بالشرك لإبطال قول أبي جهل: أليس من دين محمد البر بالوالدين ونحوه.
وهذا من أساليب الجدل وهو الذي يسمى القول بالموجب وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع ، ومنه في القرآن قوله تعالى:
{قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءاباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده} [إبراهيم: 10 ، 11] فعلم أنه لا تعارض بين الإحسان إلى الوالدين وبين إلغاء أمرهما بما لا يرجع إلى شأنهما.
والتوصية: كالإيصاء ، يقال: أوصى ووصّى ، وهي أمر بفعل شيء في مغيب الآمر به ففي الإيصاء معنى التحريض على المأمور به ، وتقدم في قوله تعالى {الوصية للوالدين} [البقرة: 180] وقوله {وأوصى بها إبراهيم} في [البقرة: 132] .
وفعل الوصاية يتعدى إلى الموصى عليه بالباء ، تقول: أوصى بأبنائه إلى فلان ، على معنى أوصى بشؤونهم ، ويتعدى إلى الفعل المأمور به بالباء أيضاً وهو الأصل مثل {وأوصى بها إبراهيم بَنِيه} [البقرة: 132] .
فإذا جُمع بين الموصى عليه والموصى به تقول: أوصى به خيراً وأصله: أوصى به بخير له فكان أصل التركيب بدل اشتمال.