وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وهو يدعو قومه: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ} يلاحظ فيه الجمع بين طلب الرزق من الله، والقيام بعبادة الله، وإنما كان الأمر الأول سابقا، والأمر الثاني لاحقا، لأن الإنسان لا يمكنه القيام بالعبادة على وجهها الصحيح إلا بعد كفاية ضروريات وحاجياته، قال الإمام القشيري:"فبالقوة يمكنه أداء العبادة، وبالرزق يجد القوة" {وَاشْكُرُوا لَهُ} حيث كفاكم أمر الرزق حتى تمكنتم من عبادته {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
وعرض كتاب الله في ثنايا قصة نوح وقصة إبراهيم ما فيه أسوة حسنة، وموعظة وذكرى لرسوله الصادق الأمين، فقوله تعالى هنا في بداية قصة نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} تثبيت لفؤاد رسوله على الحق، وضرب للمثل بصبر نوح على متاعب الدعوة إلى الله، والقيام بأعبائها، والصمود في وجه أعدائها جيلا بعد جيل، مدة جاوزت الحد في الطول والامتداد، فما على خاتم الأنبياء والمرسلين إلا أن يصمد ويثابر، ويصبر ويصابر {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] ، وقوله تعالى في قصة إبراهيم: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} يبين إلى أي حد بلغت قسوة قوم إبراهيم
وعداوتهم للحق، كما بين في نفس الوقت إلى أي حد بلغ ثبات إبراهيم وتضحيته في سبيل الحق، فما على وارث سر إبراهيم ومحيي ملته من بعده، إلا أن يتحمل أذى قومه، ويأخذ رسالته بقوة، إلى أن يدخل الناس في دين الله أفواجا.