«فَإِنْ قِيلَ» : قال في هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقال في الأولى: {إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} فما فائدته؟
أجيب بأنَّ فيه فائدتين الأولى أن الدليل الأوّل هو الدليل: النفسي وهو وإن كان موجباً للعلم التامّ ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إليه يحصل العلم التامّ لأنه بالنظر إلى نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده منه فيتم علمه بأنَّ كل شيء من الله تعالى فقال عند تمام الدليل: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقال عند الدليل الواحد إنّ ذلك وهو الإعادة على الله يسير.
الثانية: أنَّ العلم الأوّل أتم وإن كان الثاني أعمّ وكون الأعم يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً له بدليل قولك لمن يحمل مائة رطل إنه قادر عليه، فإذا سألت عن حمله عشرة أرطال تقول ذلك سهل يسير عليه فتقول: كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم التامّ بأنَّ هذه الأمور عند الله سهلة يسيرة فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور ونفس كونه مقدوراً كافٍ في إمكان الإعادة.
{يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ}
تعذيبه أي: منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة {وَيَرْحَمُ} أي: بفضله ورحمته {مَن يَشَآءُ} رحمته فلا يمسه سوء.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أنَّ رحمته سابقة كما قال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: «سبقت رحمتي غضبي» ؟
أجيب: بأنَّ السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة، فذكر الرحمة وقع تبعاً لئلا يكون العذاب مذكوراً وحده وهذا تحقيق قوله: «رحمتي سبقت غضبي» {وَإِلَيْهِ} وحده {تُقْلَبُونَ} أي: تردون بعد موتكم بأيسر سعي.
{وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ}
كيف انقلبتم في ظاهرها وباطنها.