الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ هُنَاكَ: (إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) وقال هاهنا: (إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ) فَنَقُولُ لَمَّا كَانَ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ مِنْ قَبْلُ الْآخِرَةَ وَإِظْهَارَهُمْ لِلْحَسْرَةِ، فَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَبْعُدُ الِاسْتِغْرَاقُ فِي الدُّنْيَا بَلْ نفس الاشتغال بها فأخر الأبعد، وأما هاهنا لَمَّا كَانَ الْمَذْكُورُ مِنْ قَبْلُ الدُّنْيَا وَهِيَ خَدَّاعَةٌ تَدْعُو النُّفُوسَ إِلَى الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا لِمَانِعٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ فَيَشْتَغِلُ بِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِغْرَاقٍ فِيهَا، وَلِعَاصِمٍ يعصمه فلا يشتغل بها أصلا، فكان هاهنا الِاسْتِغْرَاقُ أَقْرَبَ مِنْ عَدَمِهِ فَقَدَّمَ اللَّهْوَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ هُنَاكَ: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ) [الْأَنْعَامِ: 32] وقال هاهنا: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ) فَنَقُولُ لَمَّا كَانَ الْحَالُ هُنَاكَ حَالَ إِظْهَارِ الْحَسْرَةِ مَا كَانَ الْمُكَلَّفُ يَحْتَاجُ إِلَى رَادِعٍ قَوِيٍّ فَقَالَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ، ولما كان هاهنا الْحَالُ حَالَ الِاشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا احْتَاجَ إِلَى رَادِعٍ قَوِيٍّ فَقَالَ لَا حَيَاةَ إِلَّا حَيَاةُ الْآخِرَةِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ شَيْئَانِ فَقَالَ فِي أَحَدِهِمَا هَذَا خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ هَذَا تَرْجِيحًا فَحَسْبُ، وَلَوْ قَالَ هذا جيد
وَهَذَا الْآخَرُ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَكُونُ تَرْجِيحًا مَعَ المبالغة فكذلك هاهنا بَالَغَ لِكَوْنِ الْمُكَلَّفِ مُتَوَغِّلًا فِيهَا.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ هُنَاكَ: (خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) [الْأَنْعَامِ: 32] وَلَمْ يقل هاهنا إِلَّا (لَهِيَ الْحَيَوانُ) لِأَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِي فَحَسْبُ أَيِ الْمُتَّقِي عَنِ الشِّرْكِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَالدُّنْيَا جَنَّتُهُ فَهِيَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْآخِرَةِ بَاقِيَةً فِيهَا الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ فَلَا يُخْتَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: كَيْفَ أُطْلِقَ الْحَيَوَانُ عَلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ الْحَيَوَانَ نَامٍ مُدْرِكٌ؟