وَالثَّانِي: هُوَ كَلَامٌ يُفِيدُ فَائِدَةً مُسْتَقِلَّةً، وَهِيَ أَنَّ الْعَذَابَ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ هَذَا الْأَمْرَ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ العذاب لا يأتيهم أصلا.
(يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(55)
قَالَ: (مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) وَلَمْ يَقُلْ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ، وَلَا قَالَ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِهِمْ، بَلْ ذَكَرَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ تَحْتَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عِنْدَ ذِكْرِ فَوْقُ؟
فَنَقُولُ لِأَنَّ نُزُولَ النَّارِ مِنْ فَوْقُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ سَمْتِ الرُّءُوسِ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ عَجِيبٌ، فَلِهَذَا لَمْ يَخُصَّهُ بِالرَّأْسِ، وَأَمَّا بَقَاءُ النَّارِ تَحْتَ الْقَدَمِ فَحَسْبُ عَجِيبٌ، وَإِلَّا فَمِنْ جَوَانِبِ الْقَدَمِ فِي الدُّنْيَا يَكُونُ شُعَلٌ وَهِيَ تَحْتُ فَذَكَرَ الْعَجِيبَ وَهُوَ مَا تَحْتَ الْأَرْجُلِ حَيْثُ لَمْ يَنْطِقْ بِالدَّوْسِ وَمَا فَوْقُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
(يَاعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ(56)
إذ قال (ياعِبادِيَ) فَهُمْ يَكُونُونَ عَابِدِينَ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ بِقَوْلِهِ (فَاعْبُدُونِ) ؟
فَنَقُولُ فِيهِ فَائِدَتَانِ إِحْدَاهُمَا: الْمُدَاوَمَةُ أَيْ يَا مَنْ عَبَدْتُمُونِي فِي الْمَاضِي اعْبُدُونِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
الثَّانِيَةُ: الْإِخْلَاصُ أَيْ يَا مَنْ تَعْبُدُنِي أَخْلِصِ الْعَمَلَ لِي وَلَا تَعْبُدْ غيري.
* الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَإِيَّايَ)
تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ لِشَرْطٍ فَمَا ذَلِكَ؟
فَنَقُولُ قوله: (إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ)
إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ عِبَادَتِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إِذَا كَانَ لَا مَانِعَ مِنْ عِبَادَتِي فَاعْبُدُونِي، وَأَمَّا الْفَاءُ فِي قوله تَعَالَى: (فَاعْبُدُونِ)
فَهُوَ لِتَرْتِيبِ الْمُقْتَضَى عَلَى الْمُقْتَضِي كَمَا يُقَالُ هذا عالم فأكرموه فكذلك هاهنا لَمَّا أَعْلَمَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِيَّايَ)
وَهُوَ لِنَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ قَالَ فَاعْبُدُونِ.