الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي السَّفِينَةِ: (وَجَعَلْناها آيَةً) ولم يقل (بينة) وقال هاهنا (آيَةً بَيِّنَةً) نَقُولُ لِأَنَّ الْإِنْجَاءَ بِالسَّفِينَةِ أَمْرٌ يَتَّسِعُ لَهُ كُلُّ عَقْلٍ وَقَدْ يَقَعُ فِي وَهْمِ جَاهِلٍ أَنَّ الْإِنْجَاءَ بِالسَّفِينَةِ لَا يَفْتَقِرُ إلى أمر آخر، وأما الآية هاهنا الخسف وجعل ديار معمورة عاليها وسافلها وَهُوَ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِإِرَادَةِ قَادِرٍ يُخَصِّصُهُ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ وَفِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، فَهِيَ بَيِّنَةٌ لَا يُمْكِنُ لِجَاهِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا أَمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي السَّفِينَةِ النَّجَاةُ بِهَا أَمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يُقَالَ لَهُ فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا وَلَوْ دَامَ الْمَاءُ حَتَّى يَنْفَدَ زَادُهُمْ كَيْفَ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمُ النَّجَاةُ؟
وَلَوْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَاصِفَةَ كَيْفَ يَكُونُ أَحْوَالُهُمْ؟
المسألة الثالثة: قال هناك (لِلْعالَمِينَ) وقال هاهنا: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
قُلْنَا لِأَنَّ السَّفِينَةَ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْعَالَمِ فَعِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ مِثَالٌ لِسَفِينَةِ نُوحٍ يَتَذَكَّرُونَ بِهَا حَالَهُ، وَإِذَا رَكِبُوهَا يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّجَاةَ وَلَا يَثِقُ أَحَدٌ بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ، بَلْ يَكُونُ دَائِمًا مُرْتَجِفَ الْقَلْبِ مُتَضَرِّعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى طَلَبًا لِلنَّجَاةِ، وَأَمَّا أَثَرُ الْهَلَاكِ فِي بِلَادِ لُوطٍ فَفِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ يَمُرُّ بِهَا وَيَصِلُ إِلَيْهَا وَيَكُونُ لَهُ عَقْلٌ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ الْمُرِيدِ، بِسَبَبِ اخْتِصَاصِهِ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ وَوُجُودِهِ فِي زَمَانٍ بَعْدَ زمان.
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(36)
لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لُوطٍ أَنَّهُ أَمَرَ قَوْمَهُ بِالْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَذَكَرَ عَنْ شُعَيْبٍ ذَلِكَ؟