قال ابن عطية:"أي ما أمركما وشأنكما، وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شر، فأخبرتاه بخبرهما وأن أباهما شيخ كبير، فالمعنى أنّه لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه، وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا يقدران على مزاحمة الأقوياء، وإن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى وحينئذ تردان".
{وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} وقد أختلف العلماء في اسم هذا الشيخ الكبير إلى الأقوال وهي:
القول الأول ـ قال الجهور: هو شعيب (- عليه السلام -) ، وهما ابنتاه.
القول الثاني ـ قال الحسن: هو ابن أخي شعيب واسمه ثروان، وقال أبو عبيدة: يثرون.
القول الثالث ـ قيل: هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب.
القول الرابع ـ قال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى (- عليه السلام -) بمدة طويلة، لأنه قال لقومه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} .
وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل (- عليه السلام -) بنص القرآن. وقد علم أنه كان بين الخليل وبين موسى (- عليه السلام -) مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة كما ذكر غير واحد. وما قيل إن شعيباً عاش مدة طويلة إنما هو والله اعلم احترازاً من هذا الاشكال. ويرجح ابن كثير أنه ليس بشعيب، ويقول: من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث التصريح باسمه لم يصح سنده.
ورجح القرطبي أنهما ابنتا شعيب فهو ظاهر القرآن.
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} . وقوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ} .
والذي يرجحه الباحث هو القول الأول، وأنه سيدنا شعيب الرسول وذلك لأن علماء الفقه الإسلامي قد استدلوا بما في هذه القصة من أحكام عند من يرى أن شرع من قبلنا من الرسل شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ومنها مباشرة المرأة الأعمال ووجود الحياء فيها، وولاية الأب في النكاح وجعل النكاح والإجارة في عقد واحد (( 7) على ما سنوضحه لاحقاً.