قال: والبصريون يجمعون (الصورة) و (السورة) وما أشبههما على (صُوَر وصُوْر) ، و (سُوَر وسُوْر) ولا يميزون بين ما سبق جمعه وحدانه وبين ما سبق وحدانه جمعه، والذي حكاه أبو الهيثم هو قول الفراء.
وخص هذا القدر من القرآن بتسمية (سورة) ، لأنه أقل قطعة وقع به التحدي [على قول أبي الهيثم، وعلى قول أبي عبيدة، لأنه أقل ما وقع به التحدي] ، فهي شرف للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنها معجزة له. وقيل: سميت سورة، لأن من حفظها وعلمها حصل له شرف. وقيل: لأن كل سورة بمنزلة درجة رفيعة ومنزل عال، يرتفع القارئ منها إلى منزلة أخرى إلى أن يستكمل القرآن.
فإن قيل: فما الفائدة في تفصيل القرآن على السور؟ قيل: فيه فوائد كثيرة، منها: أن القارئ إذا خرج من سورة إلى سورة كان أنشط لقراءته وأحلى في نفسه.
ومنها: أن تخصيص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد.
ومنها: أن الإنسان قد يضعف أو يكسل عن حفظ الجميع فيحفظ سورة تامة فربما كان ذلك سبباً يدعوه إلى حفظ غيرها.
قال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى لما احتج عليهم [في إثبات توحيده احتج عليهم] - أيضا - في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما قطع عذرهم، فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة والسلام، وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} ، أي من مثل القرآن. والكناية في (مثله) تعود إلى (ما) قوله: {مِمَّا نَزَّلْنَا} .
ودليل هذا التأويل قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: 34] . وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} ، وقوله: {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] كل ذلك يريد به مثل القرآن، ومعناه: فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمد في الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وما يكون، على جهة الابتداء دون الاحتذاء، وتعلم الكتب ودراسة الأخبار.
و (من) يكون للتبعيض على هذا القول، لأن التحدي في هذه الآية وقع ببعض القرآن، وهو السورة. ويحتمل أن تكون للتجنيس، أي: من جنس هذا الكتاب كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} . [الحج:30] وقيل: (من) هنا صلة، معناه: فأتوا بسورة مثل القرآن، كقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] أي: أبصارهم، وقال النابغة:
وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ أي: أحداً.