قال النحويون: (مِنْ) ، يكون على أربعة أوجه: أحدها: ابتداء الغاية، وهو أصلها، كقولك: سرت من الكوفة إلى البصرة.
والثاني: التبعيض، كقولك: خذ من الثياب ثوباً.
والثالث: التجنيس، كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] .
والرابع: الزيادة، كقولك: ما أتاني من أحد
وهاهنا فصل يحاج إليه في كثير من المواضع، وذكرته هاهنا، وهو (أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف، وأن أعدل أحوالها أن تستعمل غير مزيدة ولا محذوفة، فأما امتناع حذفها، فمن قبل أن الغرض في هذه الحروف إنما هو الاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت:(ما قام زيد) فقد نابت (ما) عن (أنفي) ، وإذا قلت: (هل قام زيد) ؟ نابت (هل) عن (أستفهم) ، فوقوع الحرف مقام الفعل وفاعله غاية الاختصار، فلو ذهب بحذف الحرف تخفيفا، لأفرطت في الإيجاز، لأن اختصار المختصر إجحاف به. وأما وجه ضعف زيادتها، فلأن الغرض
في الحروف الاختصار كما ذكرنا، فلو ذهبت تزيدها لنقضت الغرض الذي قصدته، لأنك كنت تصير من الزيادة إلى ضد ما قصدته من الاختصار، ولولا أن في الحرف إذا زيد ضرباً من التوكيد لما جازت زيادته البتة، كما أنه لولا قوة العلم بمكانه لما جاز حذفه البتة، وإذا كان الأمر كذلك فقد علمنا من هذا أنا متى رأيناهم قد زادوا فقد أرادوا غاية التوكيد، كما أنا إذا رأيناهم قد حذفوا حرفاً فقد أرادوا غاية الاختصار، ولولا ذلك الذي أجمعوا عليه واعتزموه، لما استجازوا زيادة ما الغرض فيه الإيجاز، وحذف ما وضعه على نهاية الاختصار).
فإن قيل على هذا، فهل للقرآن مثل حتى يقال: ائت بمثله؟. قيل: أما في مقدور الله فنعم، وأما في مقدور البشر فلا، ولذلك صح أنه معجز والذي وقع به التحدي هو هذا النظم المخصوص والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة، وما كان منظوماً مؤلفاً، فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله أمثال، ولو لم يكن له مثل مقدور، لم يصح التحدي به، ألا ترى أن[التحدي لأن يأتوا بمثل القديم محال. لأنه لا مثل له.
ويجوز أن]يكون الكناية في مثله يعود إلى قوله: {عَلَى عَبْدِنَا} وهو النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: فأتوا بسورة من رجل أميّ، لا يحسن الخط والكتابة ولم يدرس الكتب.