{إِنَّ هَذَا} المذكور من التعليم والإيتاء {لَهُوَ الْفَضْلُ} والإحسان من الله تعالى {الْمُبِينُ} ؛ أي: الواضح الذي لا يخفى على أحد. وفي"الوسيط": لهو الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا، قاله على سبيل الشكر والحمد، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر"؛ أي: أقول هذا القول شكرًا، لا فخرًا.
17 - {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ} ؛ أي: جمع له بقهر وإكراه بأيسر أمر {جُنُودُهُ} وعساكره {مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ} من مختلف النواحي؛ ليحارب بهم من لم يدخل في طاعته، وإنما قال: {جُنُودُهُ} ؛ لاختلاف أجناس عساكره، فكل جنس من الخلق جند على حدة، قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} فالبعوض لنمرود جند، والأبابيل لأصحاب الفيل جند، والمعنى: أخرج لسليمان وجمع له عساكره في مسير وسفر كان له من الشام إلى طرف اليمن.
وفي"فتح الرحمن": من إِصطخر إلى اليمن، وإِصطخر - بكسر الهمزة وفتح الخاء - بلدة من بلاد فارس كانت دار السلطنة لسليمان عليه السلام. من الجن والإنس والطير؛ أي: جمع له بمباشرة الرؤساء من كل جنس؛ لأنه كان إذا أراد سفرًا أمر فجمع له طوائف من هؤلاء الجنود؛ ليجمعوا له أجناسهم، وقدم الجن للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه من أول أمر؛ لما أن الجن طائفة طاغية بعيدة من الحشر والتسخير {فَهُمْ يُوزَعُونَ} ؛ أي: يحبسون ويمنعون من الانتشار والتفرق، حتى يرد أولهم على آخرهم، من الوزع بمعنى الكف والمنع عن التفرق والانتشار. والوازع الذي يكف الجيش عن الانتشار، ويكف الرعية عن التظالم والفساد، وجمعه وزعة، والمعنى يحبس أوائلهم على أواخرهم ليتلاحقوا، ويجتمعوا ولا ينتشروا حتى ساقوا، كما هو حال الجيش الكثير، وكان لكل صنف من جنوده وزعة ومنعة ترد أولادهم على أخراهم صيانة من التفرق.