أجيب: بأنّ ذلك عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ الإتيان أو كانت المسافة بعيدة ، فإن قيل: قال هنا {سآتيكم منها بخبر} وفي السورة الآتية: {لعلي آتيكم منها بخبر} (القصص: (
وهما كالمتدافعين لأنّ أحدهما ترج والآخر تيقن ؟
أجيب: بأنّ الراجي قد يقول إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الحقيقة.
{أو آتيكم بشهاب قبس} أي: شعلة نار في رأس فتيلة أو عود ، قال البغويّ: وليس في الطرف الآخر نار ، وقال بعضهم الشهاب شيء ذو نور مثل العمود والعرب تسمى كل شيء أبيض ذي نور شهاباً ، والقبس: القطعة من النار ، وقرأ الكوفيون بشهابٍ بالتنوين على أنّ القبس بدل منه أو وصف له لأنه بمعنى المقبوس ، والباقون بإضافة الشهاب إليه لأنه يكون قبساً وغير قبس فهو من إضافة النوع إلى جنسه ، نحو ثوب خز إذ الشهاب شعلة من النار والقبس قطعة منها يكون في عود أو غيره كما مرّ.
فإن قيل: لم جاء بأو دون الواو ؟
أجيب: بأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعاً لم يعدم واحدة منهما ، إمّا هداية الطريق وإمّا اقتباس النار ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده ، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعاً وهما العزان عز الدنيا وعز الآخرة ، ثم إنه عليه السلام علل إتيانه بذلك إفهاماً لأنها ليلة باردة بقوله: {لعلكم تصطلون} أي: لتكونوا في حال من يرجى أن يستدفئ بذلك من البرد ، والطاء بدل من تاء الافتعال ، من صلى بالنار بكسر اللام وفتحها.
{فلما جاءها} أي: تلك التي ظنها ناراً {نودي} من قبل الله تعالى {أن بورك} أن هي المفسرة لأنّ النداء فيه معنى القول ، والمعنى قيل له: بورك ، أو المصدرية أي: بأن بورك ، وقوله تعالى: {من في النار} أي: موسى {ومن حولها} أي: الملائكة هو نائب الفاعل لبورك ، والأصل بارك الله من في النار ومن حولها ، وهذا تحية من الله عز وجلّ لموسى بالبركة.