{أولئك} أي: البعداء البغضاء {الذين لهم} أي: خاصة {سوء العذاب} أي: أشدّه في الدنيا بالخوف والقتل {وهم في الآخرة هم الأخسرون} أي: أشدّ الناس خسارة لأنهم خسروا ما لا خسارة مثله لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم ، ولما وصف تعالى القرآن بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران ، ذكر حال المنزل عليه وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم مخاطباً له بقوله تعالى:
{وإنك} أي: وأنت يا أشرف الخلق وأعلمهم وأعظمهم وأحكمهم {لتلقى القرآن} أي: لتؤتاه وتلقنه أي: يلقى عليك بشدّة {من لدن} أي: من عند {حكيم} أي: بالغ الحكمة فلا شيء من أفعاله إلا وهو في غاية الإتقان {عليم} أي: عظيم العلم واسعه تامّه شامله ، والجمع بينهما مع أنّ العلم داخل في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على إتقان الفعل ، والإشعار بأنّ علوم القرآن منها: ما هو كالعقائد والشرائع ، ومنها: ما ليس كذلك كالقصص والأخبار عن المغيبات ، ثم شرع في بيان تلك العلوم بقوله تعالى:
{إذ قال موسى} أي: اذكر قصته حين قال {لأهله} أي: زوجته بنت شعيب عليه السلام عند مسيره من مدين إلى مصر وهي القصة الأولى من قصص هذه السورة ، قال الزمخشريّ: روي أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ، وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله: امكثوا ، وكانا يسيران ليلاً وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد ، وفي مثل هذا الحال يقوى الناس بمشاهدة نار من بعد ، لما يرجى فيها من زوال الحيرة وأمن الطريق ومن الانتفاع بالنار للإصطلاء ، فلذلك بشرها فقال: {إني آنست} أي: أبصرت إبصار حصل لي به الأنس وأزال عني الوحشة {ناراً سآتيكم منها بخبر} أي: عن حال الطريق وكان قد أضلها ، وعبر بلفظ الجمع كما في قوله: {امكثوا} فإن قيل: كيف جاء بسين التسويف ؟