وفي الآية دليل على شرف العلم وتقدم حملته وأهله ، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم ، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من عباده ، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة لأنهم القوام بما بعثوا من أجله ، وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه ، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليهم مثلهم ، وما أحسن قول عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر رضي الله عنه.
{وورث سليمان داود} ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر قالوا: أوتي النبوة مثل أبيه فكأنه ورثه وإلا فالنبوة لا تورث {وقال يا أيّها النّاس علّمنا منطق الطّير} تشهيراً لنعمة الله تعالى واعترافاً بمكانها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير.
والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد ، وكان سليمان عليه السلام يفهم منها كما يفهم بعضها من بعض.
روي أنه صاحب فاختة فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا ، وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان ، وصاح هدهد فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبين ، وصاح خطاف فقال: يقول: قدموا خيراً تجدوه.
وصاحت رحمة فقال: تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمري فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى.
وقال: الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله.
والقطاة تقول من سكت سلم.
والديك يقول: اذكروا الله ياغافلين والنسر يقول: يابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.
والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.