أي: لما اتبعوا الشيطان زين لهم سوء أعمالهم، فاحتجب الحق عنهم
وضلوا عن السبيل، فهم لا يهتدون.
وقرأ الكسائي:"ألا يا اسجدوا لله"على معنى:"ألا يا هؤلاء اسجدوا".
وروي عنه أنه قرأ:"ألا يسجدون"وهذا متعلق منتظم بقوله:(وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ)وفي قراءة أبي:"ألا يسجدوا لله الذي يعلم سركم وجهركم"
وما تعلنون"وروي عنه:"ويعلم ما تسرون وما تعلنون"وقرأ عيسى بن عمر وابن مسعود وطلحة:"ألا يسجدون لله"ويذكر أن اسم الله الأعظم في هذه الآية التي"
يظن أنها حكاية عن الهدهد - رزقنا الله بركة أسمائه وعلمنا من علمه، وأجزل حظنا
من معرفته؛ ونفعنا بذلك إنه أرحم الراحمين.
قوله تعالى: (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(25)
الخبء وإن انخرق العلم به انخراقًا عظيمًا فهو راجع إلى وجهين - الله أعلم بما
وراء ذلك:
الأول: أنه خبأ الماء في خزائنه، وخبأ في الماء ما صرف إليه الماء، وخبأ الدواب
في خزائن السماوات والأرض، وكذلك ما قد خلقه وما هو خالق مخبوء في الخزائن،
قال الله - جل من قائل: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) فإذا أراد
إيجاد شيء؛ قال له: كن، فكان كما شاءه.
والخبء الثاني: وهو الأعظم خبأه الآخرة في الدنيا، فإذا مات أحدنا صار فيها
كما قال - صلى الله عليه وسلم -:"للجنة أقرب إلى أحدكم من شسع نعله والنار كذلك"دلَّت خبأ
الجنة في السماوات والأرض، وخبأ النار فيما تحت الأرضين، ثم في الأرضين،
حتى إذا بدل الأرض غير الأرض والسماوات أظهرهما عيانًا.
ولذلك - وهو أعلم - قال على أثرها: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(26)
العرش موضع الملك (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ)
فالملك الآن ظاهر بما هو الآن، وهو على حقيقة ما تقدم ذكره من
إخراج الخبء ذكره باطن وجود حق، وقد يخرج منه ما شاء ويظهر منه ما شاء لمن
شاء، من معجزات وكرامات دلائل دلت على قدرته، ورسالات أنبيائه وإكرام أوليائه