قوله تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ(20)
إلى قوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(26) . أعلم
-جل ثناؤه - أن الطير والنمل وجميع الخليقة لها تدبير وتدبر وآراء، وحذر متقدم
بين يدي أمورها، وكلام مفهم وتخاطب ومعاملات، وطاعة لله ولرسوله، وود لعباده
المؤمنين بما ذكر من شأن النملة والهدهد والجبال والطير.
جمع ذلك قوله:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ
أَمْثَالُكُمْ)وخضَ هذا بذكر الجناحين تخصيصًا للبهائم؛ إذ الملائكة
والجن لا يفتقرون في الصعود والنزول إلى جناح، وجمع ذلك كله بقوله:(وَإِنْ مِنْ
شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)وحيثما ذكر السجود والقنوت منها إلى ربها
فهو من ذلك وإن لم تفصح بذلك الوجود كل الإفصاح، ولأوضح ذلك منها
للأكثرين كل الإيضاح (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .
لكن الإيمان: يقول الصادق الحق ويضطر إلى اعتقاد ذلك والتصديق به حقيقة
لا مرية فيه، هانحا حمدت الحوامد عن الكمال، واستعجمت العجم عن الإفصاح
في حقنا نحن، لا في حقيقتها لحكمة بالغة له - جلَّ جلالُه - في ذلك، وهو دليل على أنه خبأ
الآخرة في ظل الدنيا، وليدل أن من سبل سنته في جل الموجودات أن يبدأها
صغيرة، ثُمَّ يستن بها سنن النشء حتى يكملها في الآخرة، وذلك أيضًا من دلائل
وجود الآخرة عند انتهاء الدنيا إلى غير ذلك من آياته.
قوله - عز وجل - فيما حكاه عن الهدهد: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ
بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) . الإنباء أبدًا يأتي عن الإخبار عن الغيب،
ولما كان أمر سبأ غائبًا عن سليمان أنبأه بشأنها يقينًا من الهدهد، ثم قال: (إِنِّي
وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ... (23) . وأخبر أن سبأ ليست هي المرأة ولا البلد كما
قد قيل.
وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن سبأ ما هو؟ قال:"رجل ولد عشر قبائل فسكن"