وأراه صور الجن على تباين خلقهم وحكمه فيهم، وسخر ذلك كله طاعة له.
قوله تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(17)
الوازع المعدل للصفوف الحابس للأول، حتى يلحق الآخر والسابق
للمتأخر ليلحق.
(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ ...(18) . أرض كثيرة النمل (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) .
(عبرة) :
أخبر الله الخبير بما خلق أن النمل تعرف الأنبياء والصالحين الحق، وأنهم لا
يقتلون نملة فما فوقها عمدًا، علم ذلك بمفهوم الخطاب إلا أن يكون ذلك منهم
على سبيل الخطأ، فكان هذا مصداقًا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يستغفر للعالم كل شيء"
حتى حيتان البحر وطير السماء"."
وفي أخرى:"إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم وصلت عليه ملائكة"
السَّمَاوات وحيتان البحور"."
أتبع ذلك قوله: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا ...(19) . ضحكه الضحك
سرور بما جعل الله له من النبأ على أفواه الصوامت، وإن ذلك من عند الله كما قيل:
"إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان جل ضحكه التبسم"ثم أخذ في الشكر لله والثناء عليه بما
أولاه وخصه به والسؤال له أن يديم له ذلك ويزيده من فضله، وهذا أدب من
جعل الله له نصيبًا من رحمته وحظًا من كرامته.
ألا تسمع إلى قول الله - جل ذكره - لموسى - عليه السَّلام - لما أكرمه بكلامه وندائه
إياه، وأراه الآيتين: قلب العصا حية، وإخراج اليد البيضاء، ثُمَّ قال له:(وَاضْمُمْ
إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ)كما قال: (وَاتَّقُونِ يَا أولِي الْأَلْبَابِ)
وجاء من مفهوم ما تقدم ذكره أن من عباد الله من يجعل اللَّه له ودًا في
نفوس الخليقة وثناءً عليه بينهم، وأن يفصح الوجود ظاهرًا بذلك، وذلك كان سؤل
سليمان - عليه السَّلام - أن يلحقه الله بهم في قوله: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ(19) .