وقوله: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) يمكن أن يكون استثناء منقطعًا وحذف من الكلام ما
تقديره: فإنه لا يخاف إلا من (بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
وليس قوله: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) مستثنى من المرسلين، بل هو مستثنى من أتباعهم،
فإن المرسل إليهم مفهوم في مراد القول من المرسلين، كما المفهوم من المرسل
إليهم أن منهم المحسن والظالم لنفسه، والمحسن ما عليه من سبيل والظالم المبين
هنالك، ومفهوم المراد من القول أن بين المحسن السابق والظالم المبين متوسط
خلط عملاً صالحا وآخر سيئا، فمن عمل صالحًا ثم ختم عمله بظلم عظيم فهالكٌ
لا ريب، و (مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ) فهو المراد في هذه، وتجاوز في خطابه -
جل ذكره - هذه الأصناف؛ إذ هي كلها من مفهوم الخطاب، وقرأ زيد بن أسلم:
"ألَا مَن ظَلَمَ"بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح الكلام.
قوله - عز وجل -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا)
من العلم الذي آتاهما الشكر لله - عز وجل - قولهما: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ(15) .
وفسر بعض العلم المذكور بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) . أمر الأنبياء والمرسلون
يحدِّثوا بنعمة الله قبلهم، لأن ذلك منهم دعاء إلى الله - جل ذكره - ليس كذلك
الغير، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة ما به.
وقال في موضعِ آخر: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ)
(وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ(10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)
هذا كله من العلم الذي آتاهما - صلوات الله وسلامه عليهما - وقال:(يَا
جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ)التأويب هنا: العود بعد البدء، ثم العود.
قال الله - عزَّ من قائل: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) أطلعهما الله على
تسبيح الجمادات ونطق الصوامت، وأفهمهما ما تقول ذوات الأصوات المعجمة،