ومن الناس من استدل بهذا على مخاطبة الطيور والدواب وغيرها، وتكليفها بأمور كما يكلف غيرها من الخلائق، واحتج على هذا بقوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) ، أخبر أن الطير وغيره أمم أمثالنا، وقد أخبر في آية أخرى أنه لم تخل أمة عن أن يكون فيها نذير بقوله: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) ، الأمة التي هي أمثالنا من الإنس والجن، دليله قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، وقوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ...) ، ونحوه كثير، وقوله: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) ، ليس في الخطاب والتكليف، ولكن في أشياء كثيرة.
وقوله: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ(22) . أي: لم يمكث طويلا حتى جاءه.
وفي حرف ابن مسعود: (فمكث غير بعيد ثم جاءه) .
(فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) : كأنه سأله: أين كنت؟ فقال عند ذلك له: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) . وفي حرف أبي: (أحطت بما لم تحط به أنت ولا أحد من جنودك) ، أي: بلغت ما لم تبلغ أنت، أي: علمت ما لم تعلم أنت ولا أحد من جنودك.
ثم قال: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) : لا شك فيه؛ فكأنه سأله عن ذلك النبأ، فقال عند ذلك - واللَّه أعلم -: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يؤتى الملوك على ما ذكرنا في قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) .