وقرأ ابن كثير في روايةٍ"مِنْ سَبَاً"مقصوراً منوَّناً . وعنه أيضاً:"مِنْ سَبْأَ"بسكون الباءِ وفتحِ الهمزةِ ، جعله على فَعْل ومَنَعَه من الصرفِ لِما تقدَّم .
وعن الأعمش"مِنْ سَبْءِ"بهمزةٍ مكسورةٍ غير منونةٍ . وفيها إشكالٌ ؛ إذ لا وجهَ للبناء . والذي يظهر لي أنَّ تنوينَها لا بدَّ أَنْ يُقْلَبَ ميماً وصلاً ضرورةَ ملاقاتِه للباء ، فسمعها الراوي ، فظنَّ أنه كَسَر مِنْ غيرِ تنوينٍ . ورُوِيَ عن أبي عمروٍ"مِنْ سَبَا"بالألفِ صريحةً كقولِهم:"تَفَرَّقُوا أَيْدِيْ سَبا". وكذلك قُرِئ"بنَبَا"بألفٍ خالصةٍ ، وينبغي أَنْ يكونا لقارِىءٍ واحدٍ .
و"سَبَأ"في الأصلِ اسمُ رجلٍ مِنْ قَحْطانَ ، واسمه عبد شمس ، وسَبَأُ لقبٌ له . وإنما لُقِّبَ به لأنه أولُ مَنْ سبى ، وَوُلِدَ له عشرةُ أولادٍ ، تيامَنَ ستةٌ وهم: حِمْيَرُ وكِنْدَةُ والأَزْدُ وأَشْعَرُ وَخَثْعَمُ وبُجَيْلَةُ ، وتشاءَمَ أربعةٌ وهم: لَخْمٌ وجُذامُ وعامِلَةُ وغَسَّانُ .
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)
قوله: {وَأُوتِيَتْ} : يجوزُ أَنْ تكونَ معطوفةً على"تَمْلِكُهم". وجاز عَطْفُ الماضي على المضارع ؛ لأنَّ المضارعَ بمعناه أي: مَلَكَتْهُمْ . ويجوز أَنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من مرفوعِ"تَمْلِكُهم"، و"قد"معها مضمرةٌ عند مَنْ يرى ذلك .
وقوله: {مِن كُلِّ شَيْءٍ} عامٌّ مخصوصٌ بالعَقْلِ لأنها لم تُؤْتَ ما أُوْتِيَه سُلَيْمانُ .