أليس من الكرامة أن يُحضر سليمان عرش بلقيس وهو في مكانه {قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] .
ونلحظ أن الهدهد لم يُعرِّف سبأ ما هي ، وهذا دليل على أن سليمان عليه السلام يعرف سبأ ، وما فيها من ملك ، إنما لا يعرف أنه بهذه الفخامة وهذه العظمة .
ثم يقول الحق سبحانه: {إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ}
وقوله {تَمْلِكُهُمْ} [النمل: 23] يعني: تحكمهم امرأة ، ورأينا نساءً كثيرات نابهات حكمْن الدول في وجود الرجال .
ثم يذكر من صفاتها {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْ} [النمل: 23] وكأنها إشارة إلى ما سبق أنْ قاله سليمان عليه السلام {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 16] فهي كذلك أُوتيتْ من كل شيء بالنسبة لأقرانها ، وإلا فسليمان أُوتي من الملْك ومن النبوة ما لم تُؤْتهُ ملكة سبأ .
{وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] العرش مكان جلوس الملك ، وكان العرش عادةً يتوافق مع عظمة الملك ، فمثلاً (شيخ الغفر) أو العمدة أو المحافظ . . إلخ لكل منهم كرسيٌّ يجلس عليه يناسب مكانته ، إذن: العرش هو جِلْسة المتمكّن الذي يتولّى تَدبير الأمور .
ووصْف العرش بأنه عظيم مع أن هذا الوصف لعرش الله تعالى ، فكيف؟ قالوا: عظيم بالنسبة لأمثالها من الملوك ، أمّا عرْش الله فعظيم بالنسبة لكل الخَلْق عظمةً مُطْلقة .
هكذا حدَّث الهدهُد سليمانَ فيما يخصُّ ملكة سبأ من حيث الملك الذي تشبه فيه سليمان كملك ، ثم يُحدِّثه بعد ذلك عن مسألة تتعلق بالنبوة والإيمان بالله ، وهذه المسألة التي غار عليها سليمان ، وثار من أجلها: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ}