نقول أتينا به أيضاً من كتاب الله ، حيث قال سبحانه في جَلد الأمَة إنْ زنتْ وهي غير محْصنة: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب} [النساء: 25] فقالوا: وكيف نُنصِّف حدَّ الرجم؟ وهذا القول منهم دليل على عدم فهمهم لأحكام الله .
فالمعنى {فَعَلَيْهِنَّ} [النساء: 25] أي: على الإماء الجواري {نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات} [النساء: 25] الحرائر ، ولم يسكت إنما خصص التنصيف هنا بالجَلْد ، فقال: {مِنَ العذاب} [النساء: 25] فتجلد الأَمَة خمسين جلدة ، وهذا التخصيص يدلُّ على أن هناك عقوبة أخرى لا تُنصف هي الرجْم .
وينتهي تهديد سليمان للهدهد بقوله {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: 21] أ ي: حجة واضحة تبرر غيابه ، فنفهم من الآية أن المرؤوس يحوز له أنْ يتصرف برأيه ، ودون أن يأخذ الإذن من رئيسه إنْ رأى مصلحة للجماعة لا تستدعي التأخير .
وعلى الرئيس عندها أن يُقدِّر لمرؤوسيه اجتهاده ، ويلتمس له عذراً ، فلعله عنده حجة أحمده عليها بل وأكافئه ؛ لأن وقت فراغه مني كان في مصلحة عامة ، كما نقول في العامية (الغايب حجته معاه) .
إذن: المرؤوس إنْ رأى خيراً يخدم الفكر العام ، ووجد أن فرصته ضيقة يسمح له بالتصرف دون إذن ، وفي الحرب العالمية الأولى تصرّف أحد القادة الألمان تصرُّفاً يخالف القواعد الحربية ، لكنه كان سبباً في النصر ؛ لذلك أعطوه وسام النصر ولم ينسُوا أنْ يُعاقبوه على مخالفة القواعد والقانون .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ}