موضوع لمفهوم كلي ومشترك بين الدوام واللادوام اشتراكًا معنويًا ولا نزاع بيننا وبين
المعتزلة في اسْتعْمَاله لمطلق الثبات دام أو لم يدم وللدوام وللبقاء الطويل المنقطع، وإنما
الخلاف في أيها الْحَقيقَة التي يحمل عليها عند الإطلاق ويفسر به، فما ذكر في الكَشَّاف من
قوله: الخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع يدل عَلَى أنه حَقيقَة في الدوام الذي
لا ينقطع مجاز في غيره، لكن ما قاله في الأساس خلد بالمكان وأخلد أطال به الإقامة، وما
في الدار الأصم خوالد وهي الأثافي فإنه يدل عَلَى أنه حَقيقَة في طول الإقامة مُطْلَقًا، وظاهره
أنه مخالف لما في الكَشَّاف، وقد ذهب بعضهم إلَى أنه لا يعارضه ما في الأساس لكن
المخالفة ظاهرة كما اختاره بعض المحققين، وعند أهل السنة ما ذكره المصنف.
قوله: (ولذلك قيل للأثافي والأحجار خوالد) ولما كان هذا البحث لغويًا استدل
المص عَلَى مدعاه بالاسْتعْمَال الموثوق به فقال ولذلك الخ. استدلالًا أنيا لا لميا للأثافي
وهي الأحجار التي تنصب عليها القدر لطبخ ما فيه أو الأحجار مُطْلَقًا أو أحجار الأبنية
كما هُوَ الظَّاهر لأنهم عللوه ببقائه بعد انهدام المنازل ودروس آثارها، ولا بأس في العموم.
قوله: (وللجزء الذي يبقى من الْإنْسَان عَلَى حاله ما دام حيًّا خلد، ولو كان وضعه
للدوام كان التَّقْييد بالتأبيد في قَوْله تَعَالَى: (خالدينَ فيها أَبَدًا) لغوا
واسْتعْمَاله حيث لا دوام، كقولهم وقف مخلد، يوجب اشتراكًا، أو مَجَازًا) خَلَد بفتحتين وهو
القلب ولا يشترط الاطراد في التَّسْميَة فلا إشكال بأن القلب كما دام ما دام الْإنْسَان حيًّا بقي
سائر الأعضاء أَيْضًا كالرأس مثلًا فلم لم يسم بالخلد عَلَى أنه أشرف الأعضاء سبب صلاح
سائر الأجزاء وفسادها، والبعض قال ومعنى بقائه عَلَى حاله مدة الحياة أنه باق عَلَى حركة لا
يسكن أصلًا لا أنه يتغير أصلًا. قال أرسطاطاليس القلب أول عضو يتحرك من الحيوان وآخر
عضو يسكن منه انتهى. وما قاله ليس بمسلم. قول أرسطاطاليس معتدًا به في العلوم الشرعية
على أن الْقُوَّة المتصرفة تتحرك دائمًا لا يسكن لا يقظة ولا نومًا كما في المطول وفي هذا
الاستدلال رد للمعتزلة حيث ذهبوا إلَى أن الخلود حَقيقَة في الدوام ولهذا ادعوا أن مرتكب
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
متواطئ لكن إذا غلب في بعض الأفراد تعين الحمل عليه .. وأُجيب بأن التعين ممنوع فإنا قد ذكرنا
أنه مجاز لا يكون إلا بقرينة فالمتعين حيث القرينة موجودة لا غير. وقد ذكر في الحواشي عن
صاحب الكَشَّاف أن الخلد من الأسماء الغالبة للمعنى كالدَّالَّة للعين في أنه في الأصل للبقاء الذي
ينقطع ثم غلب اسْتعْمَاله في الدوام الذي لا ينقطع. هذا والْجَوَاب ما ذكر من منع التعين. أقول: فلعل
قوله: في الأساس خَلَد بالمكان وأخلد أطال له الإقامة وما في الدار الأصم خوالد وهي الأثافي
محمول عَلَى اسْتعْمَاله قبل الغلبة إن صح تلك الرّوَايَة عنه .. فالْجَوَاب عن استدلالته باسْتعْمَال الخلود
في الآية بمعنى الدوام المؤبد من قبيل اسْتعْمَال اللَّفْظ الموضوع للمعنى العام المشترك بين المَعْنَيَيْن
في أحدهما