قوله(ولا تشاركها في تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين
فائدتها)يشعر بأنها تشاركها في بعض حقيقتها ولا يلائم حصر ابْن عَبَّاسٍ رضي الله تَعَالَى
عنهما عَلَى الأسماء حيث قال ليس في الجنة من أطعمة الدُّنْيَا إلا الأسماء. قيل إنه إذا اشتبه
شيء بشيء لا يكون إلا أن بَيْنَهُمَا تفاوتًا في اللذة والجرم والبقاء. فالظَّاهر أن إطلاق اسم
المشبه به عَلَى المشبه حَقيقَة قبل المعرفة بالتفاوت وعند من عرفه اسْتعَارَة وهذا لا نظير له
إذ اللَّفْظ إما مستعمل في معناه الموضوع له فهو حَقيقَة أو مستعمل في غير الموضوع له
فمجاز، وما ذكره لم نطلع عليه في كلام أحد من الثقات لكن يرد عَلَى ما اختاره المصنف أنه
يلزم أن لا يكون لمطعومات الجنة لفظ حقيقي له، ولا يخفى ضعفه فالصواب أن مطعومات
الجنة ومناكحها تسمى بأسماء مطاعم الدُّنْيَا ومناكحها، فلا يلزم من تسميتها بأسمائها حَقيقَة
اتحاد المسمى كالألفاظ المشتركة فإنها موضوعة لمعانٍ مختلفة بل لمتضادة، فليكن هذه
كَذَلكَ؛ إذ الأسماء الْمَذْكُورة في النظم الجليل لأطعمة الجنة كـ رُمَّان ونخل وفاكهة ولحم طير
وعسل ولبن وخمر وغير ذلك حملها كلها عَلَى الاسْتعَارَة والتمثيل خارج عن الإنصاف، وما
الباعث عَلَى ذلك؟ وقول ابْن عَبَّاسٍ ليس في أطعمة الجنة إلا الأسماء يلائم ما ذكرنا. عَلَى أنه
إن تم ما ذكره لاقتضى كون إطلاق الحرير والسندس وإستبرق عَلَى ألبسة الجنة مَجَازًا، وكذا
أساور الفضة اسْتعَارَة، ولا يخفى أنه تعسف عظيم مع ما يرد عليه من أن هذه الْمَذْكُورات
ليس لها ألفاظ موضوعة لها عَلَى هذا التقدير.
قوله: (دائمون) لا يموتون ولا يخرجون.
قوله: (والخلد والخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم) أي في الأصل
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: والخلد والخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم. وهذا هُوَ الموافق لمذهب
أهل السنة ووضع اللغة. وقال صاحب الكَشَّاف والخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع
قال الله تَعَالَى: (وَمَا جَعَلْنَا لبَشَرٍ منْ قَبْلكَ الْخُلْدَ أَفَإنْ متَّ فَهُمُ الْخَالدُونَ) وهذا
التَّفْسير بناء عَلَى مذهبه فإن المعتزلة يستدلون عَلَى خلود أهل الكبائر في النَّار بقَوْلُه تَعَالَى:(وَمَنْ
يَقْتُلْ مُؤْمنًا مُتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالدًا فيهَا)واستدل صاحب الكَشَّاف عَلَى أن
معنى الخلود البقاء الدائم بقَوْلُه تَعَالَى:(وَمَا جَعَلْنَا لبَشَرٍ منْ قَبْلكَ الْخُلْدَ أَفَإنْ متَّ فَهُمُ
الْخَالدُونَ)نفى الخلود لبشر وإن كان لبعضهم مكث طويل بطول العمر. وأما أهل
السنة فيقولون الخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم. وذلك لأنه استعمل حيث لا دوام
كقولهم وقف مخلد وأكد بالتأبيد في قَوْله تَعَالَى (خالدين فيها أبدًا) ولو أفاد
الخلود التأبيد كما زعموا كان ذكر أبدًا لغوًا واللازم باطل فالملزوم كَذَلكَ، فإما أن يكون مشتركًا بين
الزمان الطويل المتناهي وبين ما لا يتناهى، وهو خلاف الأصل، أو يكون حَقيقَة في أحدهم مَجَازًا في
الآخر، وهو كَذَلكَ، فتعين أن يكون موضوعًا للقدر المشترك بين المتناهي وغير المتناهي، وهو
المكث الطويل دفعا للمحذورين، وإذا كان موضوعًا لذلك فالحمل عَلَى بَعْضٍ أفراده إذا لم ينظر
إلى القيد الزائد من التناهي واللاتناهي حَقيقَة، وإذا نظر إليه مجاز، والمعتزلي لا يفيده الأول فتعين
الثاني عنده، وهو معنى البقاء الذي لا ينقطع أبد الآباد. والأصل خلافه. واعترض بأنا سلمنا أنه