الإتيان إليه في الْآخرَة من حَيْثُ تحققه في ضمن نوع ما لكن تلك الصحة من حيث ذاته
وهو ليس بمقصود لا من حيث تحققه في ضمن نوع المرزوق في الدُّنْيَا والْآخرَة وهو
الْمُرَاد كما هُوَ مقتضى السوق، فالإشكال باق بعد. أَلَا [تَرَى] أن الحيوان الذي هُوَ جنس صالح
متناول لكل نوع حين تحققه في ضمن الْإنْسَان بحسب ذاته لا من حيث تحققه في ضمن
نوع الْإنْسَان فالاشتباه نشأ من أخذ الجنس بلا شرط شيء حين تحققه في نوع ما، والمراد
أخذه بشرط شيء كما عرفت، وقد يجاب بأن معنى الإتيان بهما في الجنة إتمام الإتيان بهما
في الجنة انتهى. ومراده بإتمام الإتيان إتمام مجرد اثنينية الإتيان فالمرزوق فيهما إتمام
إتيانهما في الجنة فالجنة ظرف لإتمام إتيانهما [لا نفس] الإتيان وهو منشأ الإشكال، فلا محذور
إذ الإتيان بالنوعين لما تم بالنوع الأخير، أعني المرزوق في الْآخرَة صح أنه أتى بالمرزوق
فيها في الْآخرَة أي إتمام إتيانه بمعنى مجرد الإثنينية فلا إشكال بأن هذا ليس بشيء لأن
الجنة لما كانت دار الخلد والأبد لا يتصور الإتمام، وهذا وإن كان تكلفًا؛ إذ ذكر الإتيان
وإرادة إتمامه بعيد لكن الإشكال يندفع بالمرة بملاحظة القيد الذي اعتبرناه فإنه حِينَئِذٍ يكون
الزمان واحدًا وهو زمان إتيانه في الجنة بملاحظة إتمامه، فالمرزوق فيهما جَميعًا مأتي إتمامه
بكونه اثنين في الجنة، فالتَّعْبير بالْمَاضي حِينَئِذٍ لتحقق وقوعه لا التَغْليب فإنه لا يرضى عنه
اللبيب .. وأُجيب أَيْضًا بأنه فليكن الْمَعْنَى وأُتوا به في الدارين، ولا يلزم أن يكون الْمَعْنَى وأُتوا
به في الجنة وفيه؛ إذ قوله (متشابهًا) يأبى عنه فإن إتيانه ليس مُتَشَابِهًا إلا في
الجنة دون الإتيان في الدُّنْيَا. ورد البعض بأن إتيان ما في الدُّنْيَا ليس اسْتقْبَالًا حتى ينتظم مع
الإتيان في الجنة أراد به أن أُتوا به مستقبل عبر عنه بالْمَاضي لتحقق وقوعه، فالإتيان في
الدُّنْيَا ماضٍ محقق فلا ينتظم الإتيانان بلفظ واحد، ثم قال والْجَوَاب أن التَّعْبير الاسْتقْبَالي
المعبر عنه بالْمَاضي بالنظر إليهما تَغْليب، وغفل أَيْضًا عن عدم انتظام متشابهًا بإتيان المرزوق
في الدُّنْيَا فخير الأجوبة أوساطها، كما أن خير الأمور أوساطها.
قوله: (فإنه مدلول عليه بقوله [عز من قائل] (هذَا الَّذي رُزقْنا منْ قَبْلُ) ونظيره قوله
[عز وجل] : (إنْ يَكُنْ غَنيًّا أَوْ فَقيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بهما) . أي الجنس مدلول عليه فيكون
مرجع الضَّمير مذكورًا معنى مثل قَوْلُه تَعَالَى: (اعْدلُوا هُوَ أَقْرَبُ للتَّقْوَى) ومراده
الإشَارَة إلَى صحة كون الجنس مرجعًا مع عدم كونه مذكورا لفظًا ونظيره قَوْلُه تَعَالَى:(إنْ يَكُنْ
غَنيًّا أَوْ فَقيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بهمَا)أي بجنسي الغني والفقير، ولو اعتبر اللَّفْظ لقيل
أولى به أي المشهود عليه لما ثبت في كتب العربية أن الضَّمير الذي مع أو بوحد لأن أو لأحد
الشيئين كقَوْله تَعَالَى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ منْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ منْ نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ)
فالنظير في هذه الآية. لما نحن فيه باعْتبَار إرجاع الضَّمير باعْتبَار الْمَعْنَى دون اللَّفْظ لكن عكس ما
نحن فيه؛ إذ ثنى الضَّمير في بهما لما دل عليه الْكَلَام من تعدد الجنسين مع أن مرجعه أحد
الأمرين غيًا أو فقيرًا. لما مَرَّ من أن الضَّمير الذي مع أو [يوحد] ، وضمير يكن مفرد. والْمَعْنَى يكن
الْمَشْهُور عليه غنيًا أو فقيرا فترك إفراد الضَّمير لئلا يتوهم أن أولويته بالنسبة إلَى ذات المشهود