قوله: (لقَوْله تَعَالَى:(وَمَنْ يَرْتَددْ منْكُمْ عَنْ دينه فَيَمُتْ وَهُوَ كافرٌ فَأُولئكَ حَبطَتْ
أَعْمالُهُمْ)هذه الآية. تدل عَلَى أن الموت عَلَى الكفر محبط للعمل ولا
خلاف فيه لأحد وما قاله الإمام من أن الْقَوْل بالإحباط باطل لأن من أوتي بالإيمان والعمل
الصالح استحق الثواب الدائم فإذا كفر بعده استحق العقاب الدائم، ولا يجوز وجودهما
جَميعًا ولا دفع أحدهما بالآخر؛ إذ ليس زوال الباقي بطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ
بقيام الباقي فمأول بأن الْقَوْل بالإحباط بحسب العقل باطل كما فهم من كلام الكَشَّاف حيث
قال وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله المثوبة والثناء إذا لم يعقبه بما يفسده
وأما الإحباط بحكم الشرع فثابت كَيْفَ ينازع الإمام فيه مع أن النص بعبارته ناطق به ولا
يبعد أن يقال إن مراده أن الْقَوْل بالإحباط بالردة مُطْلَقًا سواء كان باقيًا عَلَى ردته حتى يموت
أو آمن بعدها باطل كما ذهب إليه الأئمة الْحَنَفيَّة بل إحباطه بها لا يكون بالموت عَلَى الكفر
لقَوْله تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْتَددْ منْكُمْ عَنْ دينه) الآية. وكذا أشار بإيراد هذه الآية.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وقد ركز في العقول إلَى آخره. إنما يصح فيما إذا كان المثيب من ينتفع بإحسان فاعله
ويتضرر بتركه، وأمَّا إذا لم يكن كَذَلكَ فلا يستقل العقل له بل يستفاد ذلك من مشكاة النبوة بإنزال
الوحي الإلهي. قال الإمام الْقَوْل بالإحباط باطل لأن من أتى بالإيمان والْأَعْمَال الصالحة استحق
الثواب الدائم فإذا أتى بعده بالكفر استحق العذاب الدائم ثم لا يخلو إما أن يوجدا معًا وهو محال
أو يتدافعا وليس زوال الباقي بطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ لقيام الباقي فيبطل الْقَوْل
بالإحباط وعند هذا تعين أن يقال العبد لا يستحق عَلَى الطاعة ثوابًا ولا عَلَى المعصية عقابًا
استحقاقًا عقليًا واجبا وهو قول أهل السنة واختيارنا، وبه يحصل الخلاص عن ظلمات هذه الورطة
وعلى هذه يحتاج إلَى تأويل كل ما جاء بلفظ الإحباط في الْكتَاب والسنة وموضعه علم الْكَلَام.
وأجيب عَمَّا ذكره الإمام بمنع عدم الأولوية فإن الطارئ إذا وجد امتنع عدمه مع الوجود ضرورة
امتناع اجتماع الوجود والعدم ووجوده يستلزم عدم الباقي أعني العدم بعد الوجود وهو ليس بمحال
وبأنه منقوض بانتفاء الشيء بطريان ضده كالحركة بالسكون والبياض بالسواد. أقول: يمكن أن يدفع
هذا الْجَوَاب بأن يقال لا يلزم أن يكون الطارئ ضد الباقي حتى يمتنع أن يجتمعا في الوجود
كنرب الخمر بعد الصوم والتَّكَلُّم بالكذب بعد الصلاة والزنا بعد التصدق والاتفاق بل أكثر
الْأَعْمَال من هذا القبيل، وأَيْضًا الْأَعْمَال من قبيل الأعترض والأعراض لا تبقى زمانين سواء طرأ
عليه ضده أو لا فالنزاع ليس في أن عملًا هُوَ عرض يمحوه عمل آخر هُوَ ضده أم لا لأن العمل
لكونه عرضًا ينمحي من ساعته لا يوقف في انمحاته إلَى طريان الضد بل النزاع في أن استحقاق
الأجر عَلَى العمل الصالح هل ينفعنى ويتلاشى بطرو ضده الذي هُوَ العمل السيئ أم لا فـ [حِينَئِذٍ] يجوز
أن يبقى استحقاق الأجر عَلَى صالح العمل بعد طريان ضد ذلك العمل ولما جاز بقاء الاستحقاق
على الأجر بعد طريان الضد فاندفاع الباقي بالطارئ ليس أولى من عكسه فاستقام كلام الإمام
وصح. يدل عَلَى أن مراده ما ذكرنا ذكر لفظ الاستحقاق في كلامه فمعنى قوله إما أن يوجدا معًا أي
إما أن يوجد الاستحقاقان معًا إلَى آخره قوله ولعله سبحانه وتَعَالَى لم يقيد هَاهُنَا أي لم يقيد الحكم
بالثواب عَلَى الإيمان والعمل الصالح بالاسْتمْرَار والثبات عليهما استغناء عن ذكر هذا القيد بتلك
الآية القائلة (وَمَنْ يَرْتَددْ منْكُمْ عَنْ دينه) الآية.