والنقلية شائع في اصْطلَاحهم، ومن زعم أن حمل الجنات عَلَى الجنان الثمانية لا يلائمه
مقابلة الجمع بالجمع لأن مقتضاه الانقسام والتوزيع وقد روعي ذلك في قرينها السابق ولا
مجال لرعايتها هنا لعدم العهد في توزيعها فقد زعم قيل ولا يلزم منه أن لا يحتوي كل من
الثمان عَلَى جنان صغائر كاحتواء كل من الأفلاك السبع عَلَى أفلاك صغار كما بين في علم
الهيئة بل الْمُرَاد من المراتب تلك الجنان الصغار فلا يرد ما قيل يفهم من ظاهره أن لا
يكون في واحدة منها جنات ونص الْكتَاب ناطق بخلافه حيث قَالَ تَعَالَى:(جنات عدن
تجري من تحتها الأنهار)انتهى. وفي الْحَديث فيقول يا ابن آدم يصريني منك
أيرضيك أن أعطيك الدُّنْيَا أي قدرها ومثلها معها الْحَديث. وفي رواية قال اللَّه تَعَالَى:(هو
لك وعشرة أمثاله)فإذا كان لواحد من أهل الجنة عشرة أمثال الدُّنْيَا فكثرة الجنان وعظمها
مما لا يعرف كنهه، فالْمُرَاد بصغار الجنس بالْإضَافَة إلَى الجنان السبع أو الثمان.
قوله:(واللام [في لَهُمْ] تدل عَلَى استحقاقهم إياها، لأجل ما ترتب عليه من الإيمان والعمل
الصالح، لا لذاته فإنه لا يكافئ النعم السابقة، فضلًا عن أن يقتضي ثوابًا وجزاء فيما
يستقبل بل بجعل الشارع، [ومقتضى] وعده تَعَالَى) أي اللام في لهم للاستحقاق هذا تمهيد لما
ذهب إليه المعتزلة من أن إثابة الله تَعَالَى واجبة عليه وأن استحقاق الثواب لذاته فأشار الرد
بقوله لا لذاته، ثم استدل عليه بقوله فإنه لا يكافئ النعم السابقة أي الموجبة للعبادة [وبذلك]
خلق الْإنْسَان عَلَى أحسن النظام وخلق آبائه وسائر ما يحتاج إليه فهو كأجير أخذ الأجر قبل
العمل فهو لا يستحق بعبادته أجرًا وثوابًا لذاته فـ [حِينَئِذٍ] يكاد أن يسأل إذا كان الحال عَلَى هذا
المنوال دما معنى الاستحقاق. أَشَارَ إلَى دفعه بقوله بل بجعل الشارع الخ. والْجَزَاء
والاستحقاق بمقتضى وعده فلذا قال تَعَالَى: (جَزَاءً منْ رَبّكَ عَطَاءً حسَابًا)
أي جزاء بمقتضى وعده عطاء تفضلًا منه؛ إذ لا يجب عليه شيء ، واجتماع المتقابلين
بالاعتبارين مما لا كلام في مساغه.
قوله: ( [لا] عَلَى الإطلاق، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن) الضَّمير
في عليه راجع إلَى ما ترتب عليه الثواب من الإيمان والعمل الصالح والاسْتمْرَار عليه بعدم
صدور ما ينافيه وبعدم تخلل الردة معاذ الله تَعَالَى فإن تخلل الردة بطل أعماله الصالحة
عندنا وعند الشَّافعيّ لا يبطل وبقي موقوفًا فإن آمن بعده فالعمل الصالح باقٍ كما كان كأنه
لم يتخلل الردة وإلا فحبطت أعمالهم فلا يقيم لهم يَوْم الْقيَامَة وزنًا، فعلم منه أن مراده
بالاسْتمْرَار عليه ليس عدم الردة فإنه قد عرفت أنه لا يضر مُطْلَقًا بل الموت وهو مؤمن
سواء تخلل الردة ثم آمن أولًا فالاعتبار عندهم أن يموت وهو مؤمن، ولهذا قيد قوله حتى
يموت بقوله وهو مؤمن، والبحث عن صحة قول مؤمن إن شاء الله ليس هنا محله التام.