الكريمة إلَى هذا الرد بطَريق التلطف والإيمان وهذا التوجيه أولى؛ إذ لا حسن لأن يقال إن
الإحباط باطل بالعقل بل ثابت بالشرع والمحبط هُوَ اللَّه تَعَالَى فإن مآله نفي الْقَوْل بالحسن
والقبح العقليين وهذا عام ليس بمختص بهذا المقام ولقَوْله تَعَالَى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -(لئن أشركت
ليحبطن عملك)وأشباه ذلك.
قوله: (ولعله سبحانه وتَعَالَى لم يقيد هَاهُنَا استغناء بها) أي الحكم بالثواب عَلَى
الإيمان والعمل الصالح بالاسْتمْرَار عليه بالْمَعْنَى الذي ذكرناه في حل مرامه استغناء بها أي
بهذه الآية. لأنه لما كان الْمُرَاد بالثواب الثواب الكامل بحَيْثُ لا يشوبه المؤاخذة فتفسير قوله
بما فسرناه ليس فيه خلل كما زعم حيث قال: ومن قال أي لم يقيد الحكم بالثواب عَلَى
الإيمان والعمل الصالح الخ. فقد أخطاء من وَجْهَيْن أحدهما أنه حمل كلام المصنف عَلَى
مذهب المعتزلة الخ. كَيْفَ يخطي ذلك وقد حكم في النظم الجليل بالثواب عَلَى الإيمان
والعمل الصالح كما عرفت وجهه ثم قال والثاني أنه لا استغناء عن قيد الثواب عَلَى العمل
الصالح بتلك الآية؛ إذ لا تعرض فيها بالعمل الصالح والاسْتمْرَار عليه قوله:(فأُولَئكَ
حبطت أعمالهم)إشَارَة إلَى الثواب عَلَى العمل الصالح والاسْتمْرَار عليه
بالبقاء عَلَى الإيمان، وأنت خبير بأن الاستغناء إنما يتم إذا علم تقدم نزول هذه الآية عَلَى
قَوْلُه تَعَالَى: (وَبَشّر الَّذينَ آمَنُوا) الآية. ولعل المصنف اطلع عَلَى ذلك.
قوله: (أي من تحت أشجارها) لما كان لفظ الجنة مُتَعَارَفًا اسْتعْمَاله في دار الثواب
وهي آخر ما نقلت هي إليه وأنه اسم للعرصة وما عليها من الرياض والأشجار والأبنية
والعرف احتيج إلَى تقدير مضاف؛ إذ الأحسن في جري الأنهار تحت العرصة بل النضرة في
جري الأنهار في أسفل أشجارها أو غرفها وقصورها فلا ينحصر تقدير الْمُضَاف عَلَى
أشجارها، وأما إذا أريد بالجنات الأشجار إما بناء عَلَى الْمَعْنَى الثاني أو بناء عَلَى أن البستان
يعم الأشجار فقط كما قيل وإن كان الظَّاهر خلافه فلا يقدر مضاف وكذا لا يحتاج إلَى
صنعة الاسْتخْدَام وقوله أي من تحت أشجارها إشَارَة إلَى أن الجنة عبارة عن مجموع
العرصة والأشجار لا الأشجار وحدها وأن تقدير الأشجار أولى لأنها جزء الْمَعْنَى المراد
قيل ويحتمل أن متابعها من تحت الجنان. وقد قال أبو البقاء: من تحت أرضها انتهى. وروى
الطبراني عن ثمرة مرفوعًا الفردوس ربوة الجنة وأعلاها وأوسطها ومنها تفجر الأنهار
الأربعة. وروى ابن مردويه عن أبي أمامة مرفوعًا أن أهل الفردوس يسمعون [أطيط] العرش
كذا في شرح المشكاة لعلي القاري عليه رحمة الباري. فإذا نبع من تحتها صح أن يقال
(تجري من تحتها الأنهار) لكن النبوع ليس من تحت الجنان كلها لما سمعته. وجه قول
أبي البقاء أنها تجري من تحت أرضها؛ إذ ليست أرضها مانعة عن رؤيتها فـ [حِينَئِذٍ] لا كلام في
حسنها وتلذذ الأعين بها.