قوله: (كما تراها جارية تحت الأشجار النابتة عَلَى شواطئها) تراها أي الأنهار جارية تحت
الخ. توضيح لما ذكره بالتشبيه؛ إذ تشبيه المعقول الغائب بالحاضر المشاهد مما يرى المعقول
محسوسًا لكن الكاف ليست داخلة عَلَى المشبه به؛ إذ المشبه به جري الأنهار النابتة الخ. والمشبه
جري الأنهار تحت أشجار الجنة، وفيه تبيه عَلَى أن المصنف حمل الجنات عَلَى البستان الذي
هو مجموع العرصة والأشجار لا الأشجار وحدها وإلا لما احتاج إلَى تقدير الْمُضَاف فمن
حملها لم يصب قوله عَلَى شواطئها أي عَلَى جوانبها وهي الْمُرَاد من تحتها فإنها تحت بالنسبة
إلى فروع الأشجار وأغصانها وجانب بالنسبة إلَى أصولها. قوله تحت الأشجار فيه نوع رمز إلَى
أن من في قَوْله تَعَالَى: (تجري من تحتها الأنهار) زائدة وقد صرحوا بأنها
ابتدائية حتى أوردوا عليه بأن من الابتدائية تقتضي أن يكون ابتداء الجري من تحت الأشجار وما
فيل في دفعه إن الْمُرَاد تجري من مكان كائن تحت الأشجار عَلَى التوسعة والتَّجَوُّز لا يدفع
الإشكال بالمرة، وفي اللباب ومن لابتداء الغاية. وقيل زائدة. وقيل بمعنى في وهما ضعيفان. انتهى.
ولم يبين وجه الضعف وكونه زائدة هُوَ المنفهم من كلام المصنف اختيار [لمذهب] الأخفش أو
كونه بمعنى في؛ إذ كونه لابتداء الغاية لا يخلو عن اضطراب كما عرفته.
قوله: (وعن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود) مسروق بزنة منصور علم
لمسروق بن أجدع التابعي. الأخدود شق مستطيل في الْأَرْض وإنها تجري عَلَى سطح الجنة
منضبطة بالقدرة والوقف عَلَى الأنهار، وهذا الاعتبار أولى هنا من الاحتمال الذي أشار بقوله
كما تراها جارية تحت الأشجار في هذا العالم حيث أَشَارَ إلَى أن لها أخدودًا والأول أدل
على القدرة التامة.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: كما تراها جارية تحت الأشجار الثانية عَلَى شواطئها. قال بعض الأفاضل هذا تشبيه
صورة ما لم يعرف ولم يشاهد بصورة ما تعورف وشوهد وإلا فأين المشبه به من المشبه. قال
صاحب المفتاح كما إذا قيل لك ما لون عمامتك. قلت كلون هذا وأشرت إلَى عمامة لديك والشرط
في المشبه به أن يكون أعرف من المشبه وإن لم يكن أقوى منه في الوجه، وعليه قَوْلُه تَعَالَى
(وَأُتُوا به مُتَشَابهًا) .
قوله: أي غير أخدود. قال الْجَوْهَريُّ: هُوَ شق في الْأَرْض مستطيل. وفي الكَشَّاف وأنزه
البستانين وأكرمها منظرا ما كانت أشجاره مظللة والأنهار في خلالها مطردة ولولا أن الماء الجاري
من النعمة العظمى واللذة الكبرى وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا يروق
النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء وإلا كان الأنس
الأعظم فائتًا والسرور الأوفر مفقودًا وكانت كتماثيل لا أرواح فيها وصور لا حياة لها لما جاء الله
تَعَالَى بذكر الجنات مشفوعًا بذكر الأنهار الجارية من تحتها مسوقين عَلَى قران واحد كالشيئين لا
بد لأحدهما من صاحبه.