تتخلف فقال إن كان الْمُرَاد غيري فأجمل الأشياء بي أن لا أحضر وإن كنت الْمُرَاد فسأطلب
فلما جلس النعمان ولم ير أوسًا قال اذهبوا إليه وقولوا احضر آمنا مما خفت فحضر وألبس
الحلة فحسده قوم من أهله فقَالُوا للحطيئة اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال كَيْفَ أهجو أحدًا
كل ما في رجلي حتى شسع نعلي منه وأنشد:
كَيْفَ الهجَاءُ وما تَنْفَكُّ صالحة ... من آل لامٍ بظُهْر الغَيْب تَأْتيني
قوله: تأتيني خبر ما تنفك وبظُهْر الغيب متعلق به عَلَى أن الباء للملابسة أي تأتيني
ملتبسة بالْغَيْب فأقحم الظهر مُبَالَغَة فيه حيث جعل له ظهر يستند إليه ويتقوى به والشاهد في
صالحة حيث ذكرها بلا مَوْصُوف، والْمُرَاد بها في البيت الوطأة الصالحة أي الحسنة. قيل
والظهر مقحم مُبَالَغَة أو اسْتعَارَة بمعنى خلف الغيب وفيه مُبَالَغَة أَيْضًا. قيل وذكر في مجازاة
الآثار النبوية أن هذا الْقَوْل مجاز أي قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"لا صدقة إلا عن ظهر غنى"مجاز لأن
الْمُرَاد بذلك أن المتصدق إنما يجب عليه الصدقة إذا كانت له قوة من غنى فالظهر هنا كناية
عن الْقُوَّة فكأن المال للغنى بمنزلة الظهر الذي عليه اعتماده ولذلك يقال فلان ظهر فلان إذا
كان يتقوى به ويلتجئ إليه في الحوادث انتهى. والحاصل أن الظهر ليس بمقحم وعن هنا
ذهب بعضهم إلَى أن الظهر هنا ليس بمقحم وشنع فقال فمن قال إنه مقحم ثم بين له فَائدَة
الكناية لم يصب انتهى. والظَّاهر أن مراده الترديد بين كونه مقحمًا وبين عدم كونه مقحمًا بل
كناية لأنه بالنظر إلَى أصل الْمَعْنَى لا يحتاج إليه فيكون مقحمًا لتحسين اللَّفْظ وبالنظر إلَى
إفادة المُبَالَغَة لا يكون مقحمًا بل يكون كناية، والبعض يدعي أن الإقحام بحسب اللغة لا ينافي
الكناية بحسب البلاغة. توضيحه أنه لا حاجة إلَى لفظ الظهر لحصول الْمَعْنَى الأصلي للكلام
بدونه لكن زيد فيه ليكون كتابة فتحصل هذه الفَائدَة، فالقائل الذي هُوَ صاحب الكشف مصيب
في ذلك انتهى. وهذا البيان يقتضي أن يكون الظهر إطنابًا لا مقحمًا، وشتان ما بَيْنَهُمَا فالوجه ما
قررناه أولًا، فاحفظ هذا البيان فإنه ينفعك في كل مَوْضع ذكر فيه لفظ الظَّاهر.
قوله: (وهي من الْأَعْمَال ما سوغه الشرع وحسنه، وتأنيثها عَلَى تأويل الخصلة، أو الخلة)
وهي أي الصالحة ما سوغه الشرع أي جوزه وأباحه تفعيل من ساغ الشيء إذا سهل دخوله
في الحلق قال تَعَالَى: (وَلَا يَكَادُ يُسيغُهُ) ثم تجوز به عن الإباحة لأنها
سهل التناول شرعًا فمطلق السهولة مشتركة، فالْمُرَاد بالتَّجَوُّز اسْتعَارَة ويحتمل كونه مَجَازًا
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وهي من الْأَعْمَال ما سوغه الشرع وحسَّنه. قال صاحب الكَشَّاف والصالحة كل ما استقام
من الْأَعْمَال بدليل العقل والْكتَاب والسنة. زاد قوله بدليل العقل إشَارَة إلَى مذهبه من أن الحسن عنده ما
حسنه العقل، فالعقل حجة مستقلة عند المعتزلة فترك القاضي رحمه الله ذلك الزائد لما أن أهل السنة عَلَى
أن الحسن والقبح [هما] شرعيان فالحسن ما حسَّنه الشرع والقبح ما قبحه الشرع.
قوله: وتأنيثها عَلَى تأويل الخصلة أو الخلة. يعني يكون مَوْصُوفها الخصلة أو الخلة. أقول: يجوز أن
تكون تاؤها للنقل من الوصفية إلَى الاسمية كالنطيحة للكبش المنطوح الذي مات من النطح.